السيد محمد حسين الطهراني

57

معرفة الإمام

لا يموتون بل يرفعهم الله إلى ملكوت سماواته . وعلى هذا لو قدرنا أنّ محتفراً احتفر تلك الأجداث الطاهرة عقب دفنها ، لم يجد الأبدان في الأرض ، إلّا أنّ هذا الاحتمال لا يتلاءم مع الفقرة الثانية من كلام النبيّ ، إذ يقول : مَنْ بلى مِنّا ، فلا بدّ في هذه الجملة من تقدير ، وهو : وَيَبلى كَفَنُ مَنْ بلى مِنّا . الثاني : أنّ في وجود كلّ إنسان ذرّات أصليّة . وأنّ الله تعالى يأخذ تلك الذرّات الأصليّة من قبور النبيّ والأئمّة تكريماً وتعظيماً لهم ، فيرفعها إليه بعد أن يخلق لها من الأجزاء الفاضلة عنها نظير ما كان لها في الدنيا فتصير إنساناً كاملًا ، وهو نفس ذلك الإنسان الميّت من أهل البيت ، لذلك فهم لم يموتوا . « 1 » بَيدَ أنّ نظرة عابرة نلقيها على هذا الكلام تفيدنا أنّ الشارح قد شَطَّ في إدراك معناه ، فأمير المؤمنين لا يريد في هذه الخطبة أن يبيّن حديثاً من أحاديث الرسول الأكرم ، بل أنّه لمّا طلب من الناس الرجوع إلى العترة المتمثّلة به حينئذٍ ، فقد ذكر ذلك الحديث شاهداً ودليلًا على كلامه ، فهو يريد أن يقول للناس : إن لم تقبلوا منّي ، فاسمعوا كلام النبيّ إذ يقول ما مضمونه : نحن لا نموت بل نحن أحياء دائماً ، أي كأنّ وجودي ( وجود الإمام ) هو وجود النبيّ ، واستمرار لحياته . أيّها الناس ، أنّ النبيّ لم يمت وإن كان قد مات ، لأنّني أنا بنفسي حيّ بينكم ، وحيأتى هي حياة النبيّ . وبكلمة بديلة ، فأنّه يريد القول بأنّه مرآة تامّة الظهور لتلك الحقيقة التي كان النبيّ مرآة تامّة الظهور لها من جميع الجهات ، وتلك الحقيقة هي الولاية الإلهيّة المطلقة الكبرى التي ظهرت في النبيّ أيّام حياته فكان .

--> ( 1 ) - « شرح نهج البلاغة » ج 6 ص 377 و 378 . وبالطبع فقد نقلنا كلامه هنا موجزاً .