السيد محمد حسين الطهراني

29

معرفة الإمام

ولا منافاة بين ما ذكرناه هنا ، وبين الحديث المأثور عن رسول الله إذ أخبر فيه جابر بن عبد الله الأنصاريّ ، أنَّ شيعته تنتفع به في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلّاها سحاب ؛ لأنَّه عليه السلام موجود بنفسه الزكيّة وصدره الرحب وولايته التكوينيّة ، غائباً كان أو ظاهراً ؛ غاية الأمر ليس له إرشاد ظاهريّ في عصر الغيبة ولا يخضع الناس لتوجيهات الإمام وتعاليمه في سيرهم التكامليّ . وهذا ممّا يبعث على الأسف ، والأسف الشديد طبعاً . وثمّة فارق كبير بين الشمس التي تبسط أشعّتها على الطبيعة ، فتكسو الأشجار خضرة ، وتمنح الأرض نوراً وحرارة أكثر ، وتعقّم الطبيعة بالقضاء على الأمراض والجراثيم ، فتستبدلها بالصحّة والسلامة ، وتظهر بواطن الأشياء ، وبين الشمس المحتجبة خلف السحاب ، تملأ السماء ضباباً ، وتنغّص على الناس حياتهم بالأجواء الموبوءة بجراثيم الزكام وغيره . أجل ، فإنَّ الناس ينتفعون في عصر الغيبة ، وينتفعون في عصر الظهور أيضاً ، ولكن شتّان بين الاثنين ! هذا مع أنَّ بعض الأشخاص القلائل المتحلّين بالهمّة العالية في عصر الغيبة قد دخلوا ميدان العمل بإرادة وطيدة وعزم راسخ ونيّة قويّة ، فنالوا إلى حدٍّ ما شرف معرفة الإمام بسبب صفاء قلوبهم وطهارة أرواحهم . وهذا - طبعاً - ظهور شخصيّ لهم ، مثلهم بذلك مثل راكب الطائرة في سماء غائمة فيحلّق فوق الغيوم ليصل إلى إشعاعات الشمس المشرقة . لذلك فإنَّ سبيل التكامل في عصر الغيبة غير مسدود أمام التوّاقين إلى حريمه المقدّس . وأيّ فرق بين الظهور والغيبة عند من بلغ مقام المعرفة وأدرك ذلك الوجود المقدّس بحقيقة الولاية والنورانيّة . سُئل أحد الأعاظم : متى يتشرّف الإنسان بالحضور عند الإمام ؟ فأجاب : حينما لا يكون هناك فرق بين الغيبة والظهور عند الإنسان .