السيد محمد حسين الطهراني

5

معرفة المعاد

الأصليّة الحقيقيّة هي منشأ هذه الموجودات الكثيرة ؛ وباعتبار أنّ ذلك الإطلاق هو أساس هذه التعيّنات ، وأنّ ذلك الإجمال هو منشأ هذه التفاصيل ، وأنّ تلك الأمور الواحدة هي مصدر هذه الكثرات ، فلا محالة - إذاً - من أن تكون تلك الخزائن طافحة بالحياة التامّة اللا محدودة ؛ هذا من جهة . الوجود ليس باطلًا ، وجميع الكائنات في حركة إلى الله تعالى ومن جهة أخرى ، فنحن نعلم أنّ هذا العالم لم يُخلق عبثاً ولا لهواً ، بَيدَ أنّنا لو نظرنا إلى جهة النفاد والزوال والفناء والفساد والآلام والغصص والمصائب وحوادث الموت دون أن نلحظ بعدها تلك الحياة الأبديّة السرمديّة ، ودون أن نعتبر ذلك طريقاً لبلوغ تلك الحقيقة الثابتة ؛ فإنّ خلق العالم سيكون - بلا شكّ - عبثاً لا طائل بعده . أمّا لو استهدفت هذه الحركات مقصداً معيّناً ، واستهدف كلّ هذا البحث أمراً معيّناً ، وتعلّق بهدفٍ مشخّص ؛ ولو كان كلّ هذا الفِراق من أجل وصالٍ ما ، وهذه المَجازات من أجل بلوغ حقيقةٍ ما ، وهذه النشاطات من أجل إدراك منزل محدّد ، فسيكون محطّ رحال هذا العالم المتحرّك معاده الذي يتحرّك إليه فيصله ويسكن إليه . ولدينا برهان فلسفيّ وعقليّ في عدم بطلان العالم ، إذ حيثما وُجدتْ حركة ما ، وُجد هنالك هدف وغاية . ولمّا أثبتنا أن أساس العالم قائم على الحقّ ، فلن يكون الباطل هو الغاية والنتيجة المتوخّاة من أساس الحقّ ، لأنّ الباطل والعبث واللغو أمور عارية عن القصد والغاية . أمّا فيما لو تحرّك الحقّ ، اتّجهت حركته نحو الحقّ ، ولبلغه . وسيكون ذلك الحقّ هو الغاية الإراديّة لذلك الفعل وتلك الحركة . وبما أنّ الفعل الإراديّ يبلغ بالمتحرّك إلى الغاية الباعثة على الحركة ، وأنّ نفس المحرِّك - وهو العلّة الفاعلة للتحريك - هو علّة غائيّة لذلك