السيد محمد حسين الطهراني
12
معرفة المعاد
ودون أن يحجبهم عن الله تعالى زوجة أو ولد ، ولا كسب ولا تجارة ؛ فيجتازون الدنيا كالبرق الخاطف ، ويغدون مصداقاً للآية الشريفة : رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإقَامِ الصَّلَاةِ وَإيتَآءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ . « 1 » هم رجال لم تدنّسهم الدنيا أبداً ، ولم تجذبهم إليها . ويستفاد هنا أنّ ورودهم جهنّم كان من حيث ورودهم إلى هذه الدنيا وخروجهم منها ؛ وبما أنّ قلوبهم لم تنصرف إليها أبداً ، ولم يتعلّقوا بها ولم يتدنّسوا بأوساخها ، لذا فلم يتوقّفوا فيها وعبروها كالبرق الخاطف . ولقد مكث رسول الله صلّى الله عليه وآله في هذا العالم ثلاثاً وستّين سنة ، إلّا أنّه لم يكن في هذه الدنيا لحظة واحدة . ونقصد بالدنيا محبّة غير الله سبحانه ، والولع بزينة هذا العالم ، والميل إلى عالم الباطل والغرور . وإذاً فقد مكث النبيّ على هذه الأرض ، إلّا أنّه لم يمكث في الدنيا . وحين قدم إلى الأرض فقد عبر كالبرق الخاطف دونما لحظة تأمّل أو وقوف على سائر العلائق الدنيويّة كالرياسة والجاه وحبّ المال وأمثال ذلك . الدنيا تعني عالم الاعتبار ، والإعراض عن الحقائق والانشغال بالأمور الاعتباريّة ، والبقاء خلف الحجب الظلمانيّة ، والتنزّل عن مستوى الإنسانيّة ، والعيش في حدود أفكار البهائم والشياطين . فهل كانت هذه حياة رسول الله ؟ أبداً . فحياة الرسول الأكرم لم تكن على هذا النحو أساساً ، ولأنّ النبيّ الكريم لم يعِش طوال عمره الشريف دقيقة واحدة لهدف دنيويّ شأنه شأن أهل الدنيا .
--> ( 1 ) - الآية 37 ، من السورة 24 : النور .