السيد محمد حسين الطهراني

6

معرفة المعاد

منهما والضعيف ؛ أو على اليدين بلحاظ القوّة والضعف ؛ أو على جهة الخير والسعادة وجهة الشقاء والتعاسة ، إلّا أنّ من المسلّم في هذه الآيات أنّ المراد باليمين والشمال جهة السعادة والخير وجهة الشقاء والخسران والحرمان على الترتيب . وباعتبار أنّ اليمين تعني في العربيّة التفاؤل بأمور الخير والسعادة والعافية والرحمة والبركة ، وأنّ الشمال تعني التشاؤم بالمصائب والذلّ والهوان ، فقد كُنّي عن اليمين والشمال بجهتَي السعادة والشقاء ، فصارت كتبهم تصلهم من جهة السعادة والرحمة والعافية والسلامة ، أو من جهة الشقاء والذلّ والنكبة . وقد اعتبرت طائفة كبيرة من المحدّثين والمفسّرين اليمين والشمال في هذه الآيات بمعنى اليد اليمنى واليد اليسرى ، وقالوا بأنّ المراد هو أنّ أهل الجنّة يُعطون كتبهم في أيمانهم ، وأهل النار يعطون كتبهم في شمائلهم ؛ وهو تفسير غير صحيح لعدّة أسباب : أوّلًا : وكما اتّضح خلال الأبحاث والفصول السابقة ، فالكتاب ليس بصحيفة ورقيّة ليُعطى في يد الإنسان ، وليس صحيفة مكتوبة مطويّة ليمكن للإنسان تسلّمها بيده ، بل إنّه يمثّل حقائق الأعمال التي قام بها الإنسان في دنياه ، كما أنّ استلام الكتاب بمثابة سيطرة الإنسان الروحيّة التي تحصل له خلال مرحلة البقاء بالله بعد تخطّيه مرحلة الفناء في الله تعالى ، إذ يجد المرء في مرحلة البقاء سيطرة وإحاطة بعالم الكثرة تجعله يُهيمن على جميع وجوده في الدنيا بتمام أخلاقه وملكاته وسيرته الظاهريّة والباطنيّة ، فتصبح بأجمعها محسوسة لديه وملموسة ومشهودة ، بل إنّه يجد نفسه ويدركها بالوجدان في حال انشغالها بفعل تلك الأعمال . وعلى هذا الأساس فليس هناك ثمّة كتاب يُعطى للمرء في يده ،