السيد محمد حسين الطهراني

99

معرفة المعاد

- إذاً - عالم للآخرة ونشأة للقيام والقيامة . بل سيكون العالم هناك عالمَ الدنيا . كما أنّ المعتقدين بمثل هذا المعاد قد أنكروا المعاد في الحقيقة ووطّنوا قلوبهم على دوام الحياة الدنيا كفعل الطبيعيّين والدهريّين . كما أنّ المعاد الجسمانيّ - لا المعاد الطبيعيّ الماديّ - من ضروريّات الدين وممّا يلزم الاعتقاد به ، ويتكفّل العقل بإثباته ؛ فالإنسان سيكون هناك ببدنه الجسمانيّ - لا ببدنه الطبيعيّ الماديّ - مورد نعم الله أو عذابه . بَيدَ أنّ هؤلاء المنتسبين للعلم والشريعة لم يضعوا فارقاً بين الجسم والمادّة ، فتوهّموا المعاد الجسمانيّ معاداً مادّيّاً طبيعيّاً ، مع أنّ الاعتقاد بالمعاد الماديّ أمرٌ مخالف لضرورات الإسلام ولآيات القرآن الكريم وللروايات الواردة عن المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين ، وعائد في حقيقة الأمر إلى مذهب المادّيّين والطبيعيّين والقائلين بالتناسخ . على أنّ الآية المباركة : وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا . « 1 » والروايات الدالّة على أنّ جسم عالم الآخرة ألطف من هذه الأجسام ، وأنّ الناس لا يحتاجون في القيامة إلى دفع الأقذار ، وأنّ جميع ما يأكلونه ويشربونه يصبح جزءاً من البدن ، وأنّ أهل الجنّة يُحشرون في تلك النشأة في هيئة شباب نضرين بوجوه جميلة فاتنة ، دون نقص عضويّ ، كالعمى والصمم والعرج ؛ وأنّ أهل جهنّم يحشرون في صور قبيحة منكرة عمياناً ؛ تدلّ بأجمعها على أنّ جسم ذلك العالم ليس كمادّة هذا العالم وطبيعته الكثيفة . بل هو جسم لطيف يظهر إثر تجلّي النفس وظهورها في ذلك العالم . وقد صوّرنا بحول الله وقوّته بإحدى الطرق المعادَ الجسمانيّ بهذا البدن العنصريّ والهيكل المادّيّ الطبيعيّ وسنورده في البحث الآتي إن شاء

--> ( 1 ) - صدر الآية 69 ، من السورة 39 : الزمر .