السيد محمد حسين الطهراني
6
معرفة المعاد
زواله بأيّ وجه من الوجوه . فهذه الآية لا تريد الإيحاء أنّ السماء والأرض والشمس والقمر تبدو عند المحتضر كذا وكذا . كأن تقول مثلًا إنّ الشمس ثابتة وطيدة في مكانها ، إلّا أنها تبدو للمحتضر الذي يوشك أن تقوم قيامته مُعتمة مُنكسفة ، كما يبدو له القمر منخسفاً . وإنّه وهو يعالج سكرات الموت في حال اضطراب وتشويش ، يمسك الندم والحسرة بتلابيبه ، أمام عمرٍ قضاه في الدنيا ، وقلبٍ وهبه لها وتعلّق بها ، فلقد اعتاد أن يرى أمامه في الدنيا نور الشمس الزاهر ، والقمر اللامع ، ومنظر النجوم المتلألئة ، والمناظر الخضراء النضرة والمياه المنعشة ، هذه المناظر التي أنس بآثارها وبغيرها ، فهو يريد الآن أن يدعها ويرحل ، ويدفنها في مقبرة النسيان حالًا . فهذا الموت والارتحال سيكون مُرّاً وقاسياً عليه إلى الحدّ الذي ستبدو معه الشمس منكسفة أمامه ، وسيبدو القمر منخسفاً ، وتتساقط النجوم ، وتفور مياه البحار وتتأجّج ناراً . تماماً كما يقول أحدنا في محاوراته : إنّ الأرض قد انشقّت أمامي إثر الحادثة الفلانيّة ، وإنّ السماء انهدّت على رأسي ، وإنّ النهار المضيء الأبلج قد أظلم في عيني ؛ فهذه الأمور مشهودة حقّاً عند بعض الأفراد الذين يُصابون بخسارة ومُصيبة ، إذ يلوح النهار المضيء يلوح في أعينهم مُظلماً حقّاً ، ويتبدّل الطعام اللذيذ في مذاقهم سمّاً زعافاً . إن الامّ التي فقدت طفلها لو أُخذت للنزهة وأُجلست على ضفة نهر ، أو بجوار حوض من الماء ذي رونق جميل خلّاب من أجل الترفيه عن النفس ، فإنّ تلألؤ الأمواج سيبدو في عينها كأنه بريق ألسنة نار جهنّم وشررها المتطاير ، وسيكون كلّ نسيمٍ يهبّ مداعباً الحشائش وأوراق الشجر كالمشرط الذي يجرح روحها . فما الذي تدركه - يا ترى - من النزهة والتسلية ؟ إنها تحترق الآن لفراق أعزّ أحبّائها ، فالدنيا مظلمة خاوية في