السيد محمد حسين الطهراني

58

معرفة المعاد

غيرها من الأمم المهاجمة في طول التأريخ ، فأين هذا السدّ المشيّد بالحديد ومن صفته أنه يحبس امّة كبيرة منذ ألوف من السنين من أن تهجم على سائر أقطار الأرض ولا مخرج لهم إلى سائر الدنيا دون السدّ المضروب دونهم ، وقد ارتبطت اليوم بقاع الأرض بعضها ببعض بالخطوط البريّة والبحريّة والجوّيّة وليس يحجز حاجز طبيعيّ كجبل أو بحر ، أو صناعيّ كسدّ أو سور أو خندق امّة من امّة ، فأيّ معني لانصداد قوم عن الدنيا بسدّ بين جبلين بأيّ وصف وُصف وعلى أي نحوٍ فُرض ؟ والذي أرى في دفع هذا الإشكال - والله أعلم - أن قوله : دكّاء من الدكّ بمعنى الذلّة ، قال في « لسان العرب » : وجبل دكّ : ذليل - انتهى . والمراد بجعل السدّ دكّاء جعله ذليلًا لا يعبؤ بأمره ولا ينتفع به من جهة اتّساع طرق الارتباط وتنوّع وسائل الحركة والانتقال برّاً وبحراً وجوّاً . فحقيقة هذا الوعد ( بجعل السدّ دكّاء ) هو الوعد بِرُقِيِّ المجتمع البشريّ في مدنيّته ، واقتراب شتّى أممه إلى حيث لا يسدّه سدّ ولا يحوطه حائط عن الانتقال من أي صقع من أصقاع الأرض إلى غيره ، ولا يمنعه من الهجوم والزحف إلى أي قومٍ شاءوا . ويؤيّد هذا المعنى سياق قوله تعالى في موضع آخر يذكر فيه هجوم يأجوج ومأجوج : حتّى إذَا فُتِحَتْ يَأجُوجُ وَمَأجُوجُ حيث عبّر بفتح يأجوج ومأجوج ولم يذكر السدّ . وللدكّ معنى آخر وهو الدفن بالتراب ، ففي « صحاح اللغة » : دَكَكْتُ الرَّكِي - وهو البئر - دفنتُه بالتراب - انتهى . ومعنى آخر وهو صيرورة الجبل رابية من طين . قال في « الصحاح » : وتَدَكْدَكَتِ الْجِبَالُ أي صَارَتْ رَابِيَةً مِن طِينٍ وَاحِدَتُهَا دَكَّاءُ - انتهى .