السيد محمد حسين الطهراني
46
معرفة المعاد
موحّداً غير مشرك ، وليس من المعقول أن يتغيّر ما كان عليه كورش في هذا الزمن القصير . وأمّا فضائله النفسانيّة فيكفي في ذلك الرجوع إلى المحفوظ من أخباره وسيرته وما قابل به الطغاة والجبابرة الذين خرجوا عليه أو حاربهم كملوك ماد وليديا وبابل ومصر وطغاة البدو في أطراف بَكْتريا وهو « بلخ » ، فقد كان كلّما ظهر على قومٍ عفا عن مجرميهم وأكرم كريمهم ورحم ضعيفهم ، وساس مفسدهم وخائنهم . وقد أثنت عليه كتب العهد القديم ، واليهود يحترمونه أعظم الاحترام لما نجّاهم من أسر بابل على يد بخت نَصّر ( بنوكد نصر ) الذي خرّب معبدهم ، وأرجعهم إلى بلادهم ، وبذل لهم الأموال لتجديد بناء الهيكل ، وردّ إليهم نفائس الهيكل المنهوبة المخزونة في خزائن ملوك بابل . وهذا في نفسه مؤيد وشاهد آخر على كون ذي القرنين هو كورش ، فإنّ السؤال عن ذي القرنين في القرآن الكريم إنّما كان بتلقين من اليهود على ما في الروايات . وقد وردت كلمة قَرْن في اللغة العبريّة والعربيّة بمعنى واحد . وقد ذكره مؤرّخو اليونان القدماء ، كهيرودوت وغيره ، فلم يسعهم - مع عدائهم لإيران وملوكها - إلّا أن يصفوه بالمروءة والفتوّة والسماحة والكرم والصفح وقلّة الحرص ، والرحمة والرأفة ، ويثنوا عليه بأحسن الثناء . وأمّا تسمية كورش بذي القرنين ، فالتواريخ وإن كانت خالية عمّا يدلّ على شيء من ذلك ، لكنّ اكتشاف تمثاله الحجريّ أخيراً في « مشهد مرغاب » في جنوب إيران يزيل الريب في اتّصافه بذي القرنين . وهذا