السيد محمد حسين الطهراني
17
معرفة المعاد
في ذلك العالم أقوى بدرجات من الدنيا وأضعف بدرجات من الآخرة ، لذا فإنّ الإدراكات فيه أقوى من الدنيا . فهو إذَن قياساً إلى الدنيا في حكم عالم الصحو واليقظة قياساً إلى عالم النوم . كما أنّ له حكم عالم النوم قياساً إلى القيامة . يقول أهل البرزخ يوم القيامة لربّهم : قَالُوا رَبَّنَا أمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ . « 1 » والمراد من الإماتة مرّتين : الإماتة في الدنيا باتّجاه البرزخ ، والإماتة في البرزخ باتّجاه القيامة ؛ والمراد من الإحياء مرّتين : الإحياء في البرزخ بالارتحال من الدنيا إليه ، والإحياء في القيامة بالارتحال من البرزخ إليها . فالإنسان الذي يرحل عن الدنيا ويرد في البرزخ هو ميّت نسبة إلى نشأة الدنيا ومبعوث من الموت بالنسبة إلى نشأة البرزخ . ثمّ إنّه يخرج من البرزخ عند النفخ في الصور فيرد القيامة ، فيكون ميّتاً بالنسبة إلى نشأة البرزخ ومبعوثاً من الموت بالنسبة إلى نشأة القيامة ، وهناك إذَن تلازم بين الموت من عالم الطبيعة وبين الحياة البرزخيّة ، كما أنّ هناك تلازماً بين الموت من عالم البرزخ وبين حياة النفس والقيامة . ومن ثمّ فإنّ كلّ موت سيستلزم حياةً بعده ، وأنّ أمامنا موتين وحياتين . وبشكل عامّ فإنّ الوصول إلى كلّ درجة من درجات التكامل في سلسلة مدارج الكمال ومعارجه سيتلازم مع طيّ الدرجة السابقة وفناء وزوال جميع الدرجات السابقة في هيئة مُعِدّات . ولذلك فقد سمّى القرآن الكريم هذه الحياة في القيامة بعنوان القيام ،
--> ( 1 ) الآية 11 ، من السورة 40 : غافر .