السيد محمد حسين الطهراني
77
معرفة المعاد
إنّ الناس السعداء والأشقياء ليسوا منفصلين عن بعضهم في الدنيا ، بل إنّ السعادة الكاملة والشقاء الكامل ليسا مشهودين في كلّ واحد من أفراد الناس ، بل إنّ ذلك شيء يتعلّق بما سيفعلونه بمرور الأيّام ، وبالمبدأ الذي سينزعون إليه مستقبلًا ، وبما ستكون عليه عاقبتهم في الختام ؛ أللسعادة سيذهبون أم للشقاء ؟ وما دام الإنسان يعيش في عالم التكليف ، وما دام مشرّفاً من قبل الخالق بهذا الشرف ، فإنّ احتمال السعادة والشقاء سيكون وارداً بالنسبة له ، ولن يكون بمقدور أحد أبداً أن يعدّ نفسه من السعداء أو من الأشقياء . إنّ الحسنات والسيّئات ، والإلهامات الربّانيّة والخواطر الشيطانيّة ممتزجة في داخل الأفراد ، فهناك معجون من أجزاء هذه المتضادّات في نفس كلّ فرد . وبغضّ النظر عن هذا فإنّ أفراد البشر يعيشون في الدنيا على أساس من الحياة الماديّة ، فيأنسون ببعضهم البعض ، ويعيشون في بيت واحد . وما أكثر ما جلس الأفراد الأشقياء والسعداء على مائدةٍ واحدة ، باطن أحدهم ظلمة محضة وباطن الآخر نورٌ صرف ؛ يميل باطن أحدهم إلى الإنفاق والإيثار ، وينزع باطن الآخر إلى البُخل والإمساك . ولأنهم محدودون في هذه الدنيا ، ولأنّ الظاهر له الغلبة على الباطن ، ولأنّ حواس الإنسان من الذوق والشمّ والسمع والبصر واللمس هي وسيلة ارتباط الإنسان بهذا العالم ، فإنّ الإنسان يتمكّن فقط من إدراك الظاهر ، في حين تخفى عليه البواطن والنوايا والسرائر . أمّا عند الارتحال والموت ، وحين يستعدّ الإنسان للهجرة والرحيل ، فإنه يوضع في محكّ يفصل الحسنات عن السيّئات ، وبمجرّد أن يصل الإنسان إلى نقطة الموت ويفقد فيها اختياره وإرادته الدنيويّة ، فإنه سيواجه هناك أمّا عالم الخير المحض أو عالم الشرّ المحض ، فهو إمّا