السيد محمد حسين الطهراني
4
معرفة المعاد
إنّ الملائكة السماويين الذين أوجدهم الباري ومنح كلًّا منهم قدرةً وعلماً ووظيفةً خاصّة ، لا يمكنهم تخطّي حدود الوظائف المسندة إليهم ، ولذلك فلا يوجد فيهم أي مجال للرقيّ والكمال ، وهذا الأمر ينطبق على سائر الموجودات الأخرى سوى الإنسان . أمّا الإنسان فإنّه مكلّف بتكاليف ، ويمتلك إرادة واختياراً ، وقابليّة واستعداداً ، ولذا يستطيع عندما يخضع لتربية صحيحة أن يتأدّب بالأدب الحقيقيّ وأن يطوي مقام الكمال . وعدم انصياعه لتلك التربية سيؤدّي إلى هدر ذلك الاستعداد وإضاعة تلك الجوهرة ، وبقائه متحجّراً في النقصان ، متسمّراً لا يستطيع حراكاً . إنّ أصل وجود الإنسان يكمن في قابليّة الحركة نحو السعادة أو الوقوف والتهالك بين أنقاض الشقاء ، وعلى هذا الأساس ، فانّ الجنّة أو النار التي خلقها الله سبحانه وتعالى إنما هي للإنسان الذي يمتلك الإرادة والاختيار ، والذي يتمكّن من تحويل استعداداته إلى مرحلة الفعلية من أجل الوصول إلى كماله ، أو أن يُضيعها ويُفسدها باختياره ويُغرقها في مستنقع الشهوات والأوهام ، لتصبح مُنتنةً عفنةً . الإيمان بالله طوعاً واختياراً هو الذي ينفع الإنسان ما دام الإنسان يمتلك ناصية الاختيار فإنّ باب التوبة مشرع أمامه ، فإنّ إيمانه سيكون مؤثّراً وأعماله له صحيحةً مقبولة ، أمّا حين يُغلِق سبيل الاختيار فسيجد الإنسان نفسه مضطرّاً مُجبراً على اختيار سبيلٍ ومنحى