السيد محمد حسين الطهراني

52

معرفة المعاد

في الواقع لا يخاف من الموت بل يجهل أمراً كان حريّاً به أن يعلمه . وعلّة خوفه انّما هي جهله ، هذا الجهل الذي دفع بالعلماء إلى طلب العلم ومشقّة سبيله ، وجعلهم يتركون لذّات الجسم وراحة البدن في سبيله » . « 1 » الإشتياق للموت هو معيار القرآن في معرفة المؤمن وبناءً على هذه الحقيقة فانّ الموت سوف لن يوجد الاضطراب ولا الحيرة والفزع للعارف والمؤمن ، بل انّه سيُثير فزع الافراد الذين ابتعدوا عن تجرّد النفس بالإنغماس في عالم المادّة والشهوات ، والذين لم يعرفوا ربّهم بسبب عدم معرفة عوالم القرب وعدم الأنس بها ، أولئك الذين يجعلهم جهلهم في فزع واضطراب دائمين . أمّا المؤمن الذي لم يتخطّ طريق الحقّ قدماً واحداً ، والذي وافق بين عمله وصفاته وبين الحقّ وأمر الحقّ ، فطوى كشحه في هذه الدنيا عن عالم الغرور وتجافى عنه ، ومال إلى دار الخلود والأبديّة ، وكان عاشقاً ومحبّاً للقاء الله ، فهو كذلك عاشق للموت ، عاشق للتجرّد ، لأنّه محبّ لله مؤمن بفردانيّته ، فهو يتمنّى كلّ يوم أن يخلع لباس البدن ويرتدي خلعة التجرّد وزيّه ، بل انّه يسعى على الدوام ليقلّل كلّ يوم درجةً من غروره ومجازه ، ويقترب كلّ يوم درجةً من إدراك المعنى والحقيقة ، حتّى يصل إلى الحد الذي تصبح لديه جميع الأمور الدنيويّة الفانية مدفونة في سراب البطلان والعدم ، وحتى يتحقّق لديه تجلّي عالم الأنوار والحقيقة . يقول الباري عزّ وجل في خطابه لليهود : قُلْ إنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الأخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ، وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أيْدِيْهِمْ

--> ( 1 ) - كتاب الشفاء ، مجلّد الالهيّات ، وقد خُطّت عين عبارة بو علي العربيّة حول الأطراف الأربعة لصندوق قبره الموضوع على محلّ دفنه في همدان .