السيد محمد حسين الطهراني

32

معرفة المعاد

ب - « السيّد . . . أيدّه الله » صار يذكر اليوم ب - « المرحوم . . . رحمه الله » . اليوم يقولون : شافي الله فلاناً ! اقرأ وا له سورة الحمد ؛ وسيقولون غداً : رحمه الله ! اقرءوا له الفاتحة . أين صار إخوتنا ؟ وآباؤنا ؟ وأجدادنا ؟ أين ذهب أجدادنا ؟ لقد صاروا جميعهم خبراً ، وكانوا يوماً ما أثراً ، وأي أثر مهم ! كانت الدنيا تهتزّ تحت أقدامهم ، وآذان الأفلاك تصمّ من صراخ أنانيّتهم ، كان ذلك جميعه أثراً . كانوا يأتون إلى المساجد فيجلسون ويصغون إلى النصائح والمواعظ ، لكنّ ذلك كلّه كان أثراً ، وصار أولئكم اليوم خبراً بأجمعهم . ونحن أيضاً اليوم أثر ، نتحدّث ونسمع ونتحرك بحيويّة ونشاط ، وصائرون في الغد خبراً ، وسيُقال عنّا : رحمهم الله ، كانوا بالأمس أثراً وصاروا اليوم خبراً . بيد انّ هذه القرعة لا يخرج سهمها بإسمهم فقط ، بل انّها كالجَمَل الذي سيبرك على عتبة كلّ دار ، والذي سيستقبل كلّ شخص . انّ نهاية كلّ متحرك إلى السّكون ، وعاقبة كلّ من ارتدى لباس الحياة والوجود أنْ لا يَكُون . وحين يكون الأمر كذلك فبأي دليل وبأي مجوّز عقلي يُلقي الشخص بنفسه في فم الهلاك الفاغر من أجل نيل أشياء فانية تالفة ، ويتسابق في التهالك وإلقاء النفس في التهلكة للوصول إلى هذه الأمور الفانية الزائلة ؟ اعلموا ايّها الناس انّ الدنيا انّما طُلبت لثلاثة أمور : للعزّة وللغنى وللراحة ؛ فمن زهد في الأمور الدنيويّة ولم يرغب فيها استغنى دوماً ، ومن سلك سبيل القناعة عَزّ دوماً ، ومن قلّل سعيه ومجهوده للوصول إلى الدنيا كان في راحة . لقد جاء الدين من قِبل الله تعالى ليقول للإنسان : أيّها الانسان لستَ مُهْمَلًا مغفولًا عنه ، ولستَ موجوداً متفرّداً معزولًا عن جميع الموجودات ،