عبد الباقي مفتاح
87
المفاتيح الوجودية والقرآنية لكتاب فصوص الحكم لابن العربي
ورحمته خلافا لأخيه موسى عليه السلام المعروف بقوته في الحق وبطشه لإزهاق الباطل وسرعة انفعاله . فجعل اللّه تعالى موسى في سماء اللين والرحمة والتؤدة والشفقة أي السماء السادسة كما جعل هارون في سماء البطش والبأس . وأنسب أنفاس الأنبياء لهذه المرتبة هو نفس لوط عليه السلام لعلاقته المخصوصة بشدة القهر فقال تعالى عنه أنه قال : لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ( هود ، 80 ) . قال الشيخ : فنبه صلى اللّه عليه وسلم أنه كان مع اللّه من كونه شديدا . . . وقهر الحق تعالى قوم لوط أشد قهر فاستأصلهم بعد أن أرسل عليهم حجارة من سجيل منضود وجعل عالي أرضهم سافلها . ولهذا فإن مدار هذا الفص حول مظاهر القهر . ففي أول الباب ذكر الشيخ الشدة والتحطيم " قيس بن الحطيم " والطعن والقوة والركن الشديد . ثم ذكر قهر الأمم الكافرة للرسل وقهر اللّه لتلك الأمم . ثم انتقل إلى قهر الشيب وأرذل العمر للإنسان . ثم تطرق إلى قهر الهمة : فأهل الأحوال لهم الهمة القاهرة في التصريف ، أما الكمل فهمتهم مقهورة للمعرفة . . . ثم تكلم على قهر المعلوم للعلم حيث أن العلم تابع للمعلوم وكل تابع مقهور . . . وفي إطار هذا القهر ذكر أبا طالب مرتين في هذا الفص لبيان حكم القهر : فهو أقرب الناس للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ومن أعلمهم بصدق رسالته ، ومع هذا مات على ما مات عليه أي حسب ما سبق به العلم التابع لما هي عليه عينه الثابتة في حضرة القدم . وهذا الفص هو الرابع من الأبواب الأربعة المتتالية التي تشترك في صفة الشدة والقوة والقهر لأن الأمم المذكورة في القرآن والتي قهرها اللّه بالدمار هي قوم هود وصالح وشعيب ولوط . وأقرب الرسل لشعيب في الزمان هو لوط قال شعيب لقومه : وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ( هود ، 89 ) . وناسبت حكمة لوط الملكية حكمة شعيب القلبية في الفص الموالي لأن القلب هو ملك قوى الإنسان وأقواها وأوسعها . وللوط صلة بالقلب المالك لأن لفظ لوط يعني : ملصق . ولهذا سماه الشيخ في الباب 14 من الفتوحات بالملصق أي الأقرب لصوقا بالحضرة الإلهية . وألصق الحضرات الوجودية بها هو قلب الإنسان الكامل . وقد تكلم الشيخ في الباب 361 من الفتوحات المخصوص بمنزل سورة المؤمنون عن هذا اللصوق فقال ما خلاصته : " لما قضى اللّه أن يكون للبروج أثر في العالم جعل اللّه في نشأة الإنسان الكامل اثني عشر قابلا يقبل بها هذه الآثار . فمنها لصوقها بالعالم حين حذيت عليه ولصوقها بحضرة الأسماء الإلهية وبه صح الكمال لهذه النفس " .