عبد الباقي مفتاح

70

المفاتيح الوجودية والقرآنية لكتاب فصوص الحكم لابن العربي

وكل شيء في العالم متنفس فان الأصل نفس الرحمن . وجعله اللّه لطيفا يسوق الأرواح إلى المشام ويوجد النغمات فيؤثر السماع الطبيعي في الأرواح ويحرك ويطفي ويشعل وفيه تظهر صور الحروف والكلمات فلو لا الهواء ما نطق ناطق ولما كان الباري متكلما ويحدث فيه صور الجنين في النكاح والثمر في اللقاح قال تعالى : وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ ( الحجر ، 22 ) ووصف الحق تعالى نفسه بأن له نفسا وإن كان ليس كمثله شيء ولكن نبه عباده العارفين أن علمه بالعالم علمه بنفسه ووصف نفسه سبحانه بأنه ينفخ الأرواح فيعطى الحياة في الصور المسواة فجاء بالنفخ الذي يدل على النفس . فحياة العالم بالنفخ الإلهي من حيث أن له نفسا فلم يكن في صور العالم أحق بهذه الحياة من الهواء فهو الذي خرج على صورة النفس الرحماني الذي ينفس اللّه به عن عباده ما يجدونه من الكرب والغم الذي تعطيه الطبيعية ) انتهى . وأنسب الأنبياء لهذا النفس الرحماني الهوائي هو أيوب عليه السلام الذي نفس عليه ما يجده من كرب المرض وغم فقدان الأهل والمال بعد أن قال له : ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ ( ص ، 42 ) ، فجعل الشيخ هذا الباب 19 للكلمة الأيوبية وبدأه بذكر سر الحياة ، أي الهواء الساري في الماء كسريان الاسم : الحي في الاسم : المحيي . ثم أشار إلى علاقة هذا الفص بالهواء والنفس فقال : " من أجل أن الحقائق والشهود تعطي التكوين مع الأنفاس على الدوام " . وفي أول الباب مقارنة خفية بين العرش المحمول على الماء ، والماء على الهواء ، وبين أيوب الذي انفجر الماء تحته فسرى فيه نفس الرحمة والحياة ، وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان الكامل مكتنف بالرحمة من جميع جوانبه كالعرش إذ كلاهما مجلى استواء الرحمانية ومن تحتهما تتفجر مياه الحياة الأزلية . . . وأما وصف حكمة أيوب بالغيبية فلأنّ أقرب الأركان للغيب هو الهواء لأنه هو أصل الأركان والأصل غيب الهوية ولهذا تكلم الشيخ في هذا الفص على الهوية فقال : فالعارف لا يحجبه سؤال هوية الحق في رفع الضر عنه عن أن تكون جميع الأسباب عينه من حيثية خاصة . وهذا لا يلزم طريقته إلّا الأدباء من عباد اللّه الأمناء على أسرار اللّه ، فإن للّه أمناء لا يعرفهم الا اللّه ويعرف بعضهم بعضا ( وكتم أسرار الأمانة من مظاهر الغيب الدال على أن صاحبه ممن ملك هواه . يقال : الريح نمامة أي تشيع الخبر والروائح والأنغام كما يشيع النمام الحديث . . . والأديب الأمين بتحكيم عقله على هواه كاتم للأسرار فباطنه غيب . . . ) وقد تكلم الشيخ في الباب 371 من الفتوحات المخصوص بسورة الرعد عن علاقة الهواء بالغيب فيقول : ( فالعرش إنما يحمله الماء الجامد ، والحملة التي له إنما هي خدمة له تعظيما وإجلالا . وذلك الهواء نفس الظلمة التي هي