عبد الباقي مفتاح
69
المفاتيح الوجودية والقرآنية لكتاب فصوص الحكم لابن العربي
الجمال . . . ومن هذا التلازم قارن الشيخ في هذا الفص بين سلام اللّه على يحيى وسلام عيسى على نفسه . . . وحتى يكون يحيى مظهرا كاملا للحياة مات شهيدا مع والده والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون . وقتله مظهر جلالي كما أن رفع عيسى للسماء مظهر جمالي وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ ( النساء ، 157 ) . وأما المنزلة الفلكية المناسبة لهذه المرتبة المتوجه عليها الاسم " المحيي " فهي النعائم ، والحياة والماء من أعظم النعم ، والأنعام هي الحيوانات ، ولها حرف السين الذي له صفات الهمس وا لإرتخاء والانفتاح والصفير والإنسفال وكلها صفات المقهور تحت هيبة الجلال . . . وكعادة الشيخ في التمهيد لمرتبة الفص الموالي ، ذكر في آخر هذا الفص الحائط والجذع اليابس إشارة إلى التراب - ومن معاني الحائط في اللغة البستان - وإلى الأرض التي لها فص زكرياء بصفته المالكة حيث أن فلك التراب هو آخر أفلاك المملكة وما بقي بعده إلا المولدات وعمار المنازل . المرتبة 19 : لفص حكمة غيبية في كلمة أيوبية . من الاسم الحي وفلك الهواء وحرف الزاي ومنزلة الشولة . فعل الإحياء لا يظهر الا ممن له الحياة الذاتية ، فهو لا يستمد حياته من غيره أي أن الاسم : المحيي يستلزم ظهور الاسم : الحي . فلهذا جاءت المرتبة 19 للحي الذي هو أول الأسماء الصفاتية وينبوع الكمالات وإليه ترجع الأسماء الأمهات . ولمكانته القطبية ظهر بتوجهه أقوى الأركان وأعمها وسبب حياة الكائنات جميعها أي الهواء الذي يقول عنه الشيخ في الفصل 29 ن الباب 198 باختصار : ( ولا يسمى الهواء ريحا إلا إذا تحرك وتموج . وهو ذو روح يعقل كسائر أجسام العالم وهبوبه تسبيحه وما ثم شيء أقوى منه إلّا الإنسان حيث يقدر على قمع هواه الذي أوجده اللّه فيه فيظهر عقله في حكمه على هواه . فإنه لقوة الصورة التي خلق عليها ، الرياسة له ذاتية ، ولكونه ممكنا الفقر والذلة له ذاتية . فإذا غلب فقره على رياسته فظهر بعبوديته ولم يظهر لربوبية الصورة فيه أثر لم يكن مخلوق أشد منه . فالهواء موجود عظيم وهو أقرب الأركان نسبة إلى نفس الرحمن . وهو نفس العالم الكبير وهو حياته وله القوة والاقتدار ، وهو أقوى المؤثرات الطبيعية في الأجسام والأرواح . وهو أصل حياة العالم الطبيعي كما أن الماء أصل الصور الطبيعية . فصورة الهواء من الماء وروح الماء من الهواء . ولو سكن الهواء لهلك كل متنفس