عبد الباقي مفتاح
68
المفاتيح الوجودية والقرآنية لكتاب فصوص الحكم لابن العربي
( . . . ولذلك كانت الأوهام أقوى سلطانا في هذه النشأة من العقول . . . فالوهم هو السلطان الأعظم في هذه الصورة الكاملة الإنسانية وبه جاءت الشرائع . . . ) . المرتبة 20 : لفص حكمة جلالية في كلمة يحياوية . من الاسم المحيي ومرتبة الماء وحرف السين ومنزلة النعائم . . إبقاء كل صفة يستلزم وجود ضدها . . . فلا معنى ولا بقاء للاسم المميت إلا بضده أي المحيي . وما الموت إلا انتقال من هيئة إلى أخرى . فالخروج من الأولى باسمه المميت هو عين الدخول في الأخرى باسمه المحيي . أي أن ظهور المميت يستلزم ظهور المحيي فهما وجهان لحقيقة واحدة متلازمان كالوالد وولده . ولهذا لما كانت للمرتبة 21 لزكرياء الوالد والأرض والمميت كان للمرتبة 20 يحيى الولد والماء والاسم المحيي . هذا التلازم يؤكده ما نجده في كتاب العبادلة حيث نجد بابا تحت عنوان : " عبد اللّه بن يوسف بن عبد المحيي " والباب الذي يتلوه عنوانه : " عبد اللّه بن يعقوب بن عبد المميت . . . " . وأما وصف هذه الحكمة بالجلالية فلأن الغالب على يحيى الجلال قبضا وخشية وبكاء وهيبة وقتل شهيدا هو ووالده . وقيل إنه قتل في دمه سبعون ألفا . . . ومن هذا الجلال نجده مترددا بين سماء هارون الخامسة وسماء عيسى الثانية . . . ومعلوم أن سماء هارون هي فلك المريخ الأحمر وهي سماء الجلال والقهر والفتن والقتل والأضاحي . . . ويحيى هو الذي يضحي بكبش الموت في آخر يوم القيامة . . . وأما علاقة المحيي بالماء الذي له هذه المرتبة فمعروفة كثيرة الورود في القرآن كقوله تعالى : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ( الأنبياء ، 30 ) وقد تكلم عليه الشيخ في الفصل 30 من الباب 198 حيث قارن بين وظيفة وقوة الملائكة والماء ثم قال : ( والماء وإن كان من الملائكة فهو ملك عنصري وأصله في العنصر من نهر الحياة الطبيعية الذي فوق الأركان وهو الذي ينغمس فيه جبريل كل يوم غمسة وينغمس فيه أهل النار إذا خرجوا منها بالشفاعة . فهذا الماء العنصري من ذلك الماء الذي هو نهر الحياة ) . . . ( وهذا الركن هو الذي يعطي الصور في العالم كله وحياته في حركاته . . . ) . وحيث أن أخص صفات الروح هي الحياة ، وعيسى روح اللّه ، كان يحيى ملازما لعيسى في الدنيا وفي السماء الثانية . وتلازمهما كتلازم الجلال والجمال . وقد ورد اسمه تعالى . ذو الجلال الحاكم على حكمة يحيى مرتين في القرآن في سورة الرحمن مقترنا بالإكرام الذي هو من مظاهر