عبد الباقي مفتاح
66
المفاتيح الوجودية والقرآنية لكتاب فصوص الحكم لابن العربي
ولهذا أيضا كانت حكمة هذا الفص مالكية لأن المالك هو الشديد ومن أكبر الشدائد الموت . وكان الغالب على زكرياء حكم المالك لتشديده على نفسه في المجاهدات ولشدة نفوذ همته في طلب الوارث من اللّه تعالى فصلحت زوجه العقيم في سن إلياس وأنجبت يحيى . وأما علاقة المالك بالأرض فلأن الأرض هي عرش الخلافة ومنصة ملكها أي الإنسان الكامل وخلفاؤه وهو المخلوق على صورة الرحمن خليفة اللّه في الأكوان وللصورة حرف الصاد الذي يقول الشيخ عنه ( ف ص 71 ) الصاد حرف من حروف الصدق والصون والصورة . . . حرف شريف عظيم أقسم عند ذكره بمقام جوامع الكلم وهو المشهد المحمدي في أوج الشرف بلسان التمجيد ) . فالصدق والصون والصورة من أوصاف الكامل المالك خليفة الرحمن . . . ومدار هذا الفص كله على رحمة الرحمن الواسعة ، التي لها علاقة بالمميت إذ يقال عن الميت إنه انتقل إلى رحمة اللّه ويسمى عادة بالمرحوم واقترنت الرحمة بزكرياء وحرف الصاد في فاتحة سورة مريم : كهيعص ( 1 ) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا . ومن شدة المميت المالك تكلم الشيخ في هذا الفص على الآلام والبلاء والانتقام . . . وكما أن لحرف هذه المرتبة أي الصاد الصدق - أي الشدة في التوجه - والصون - أي الشدة في الستر - والصمت - أي الشدة في الكتم - والصورة الرحمانية التي هي مجلى السيادة المالكة فقد وصف الشيخ في الفصل 31 من الباب 198 الخاص بهذه المرتبة ركن الأرض بنفس تلك الصفات الصادية السيادية التي ظهرت في زكرياء وابنه يحيى الذي سماه اللّه في القرآن سيدا وحصورا ، فحاله كحال التراب عبودية وثباتا لعدم استحالته . يقول الشيخ ما خلاصته ( الأرض هي أول مخلوق من الأركان ثم الماء ثم الهواء ثم النار ثم السماوات وجعلها محلا لتكوين المعادن والنبات والحيوان والإنسان وجعلها حضرة الخلافة والتدبير فهي موضع نظر الحق وسخر في حقها جميع الأركان والأفلاك والأملاك وأنبت فيها من كل زوج بهيج . وما جمع لمخلوق بين يديه سبحانه إلا لما خلق منها وهي طينة آدم عليه السلام خمرها بيديه وهو ليس كمثله شيء وأقامها مقام العبودية فقال : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا ( الملك ، 15 ) ، وجعل لها مرتبة النفس الكلية التي ظهر عنها العالم كذلك ظهر عن هذه الأرض من العالم المولدات إلى مقعر فلك المنازل ) ويضيف الشيخ : ( وهذا الركن لا يستحيل إلى شيء ولا يستحيل إليه شيء وإن كان بهذه المثابة بقية الأركان ولكنه في هذا الركن أظهر حكما منه في غيره ( . . . ) فالرجل الذي رأى الحق حقا فاتبعه وحكم الهوى وقمعه " أي تحقق باسم المالك لنفسه المميت لهواه " فإذا جاع جوع اضطرار وحضر بين يديه أشهى ما يكون من الأطعمة تناول منه بعقله لا بشهوته ودفع