عبد الباقي مفتاح

61

المفاتيح الوجودية والقرآنية لكتاب فصوص الحكم لابن العربي

فأعطاه ما به غذاؤه فرأى جل غذائه في الماء فأعطاه الماء ، له ولكل حي في العالم ، وجعله رزقا له ثم جعله رزقا لغيره من الحيوان فهو والحيوان رزق ومرزوق ( وإنما قرن الشيخ الرزاق بالنبات خصوصا لأن اللّه تعالى قرن الرزق بالثمرات في العديد من الآيات كقوله تعالى : وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ ( البقرة ، 22 ) . كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ ( البقرة ، 25 ) . رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ ( البقرة ، 126 ) . وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ( إبراهيم ، 37 ) . أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا ( القصص ، 57 ) . ولعلاقة هذا الفص بالنبات وردت فيه كلمات شجر - طعام - غذاء - ذوق . . . ومن التناسب بين هذا الفص وفصله 33 من الباب 198 قوله في هذا الفص : ( والعين واحدة من كل شيء وفيه . . . الخ . . . ) وقوله في ذلك الفصل : ( وقد أعلمتك في غير ما موضع من هو عين العالم الظاهر وأنه غير متغير الجوهر . . . ) مثال ذلك : الماء جوهر واحد تتغذى به كل النباتات رغم تنوع صورها وأذواقها وثمراتها . قال تعالى : يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( الرعد ، 4 ) . وأما نسبة الكلمة اللقمانية للحكمة الإحسانية . فلأن لقمان أوتي الحكمة من اللّه تعالى والحكمة من أجل الأرزاق : وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ( لقمان ، 12 ) . والحكمة والإحسان متلازمان لأن الإحسان هو فعل ما ينبغي بإتقان ووضعه في مقامه الأليق وهذه هي الحكمة . وقد ظهر لقمان في القرآن مربيا لابنه حسا ومعنى وظهرت كلمة الإحسان في القرآن مقترنة بالأبوة كقوله تعالى : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وتحقق لقمان بالإحسان المذكور في الآية 22 من سورته : وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى . من ناحية أخرى ؛ فبالحكمة تحفظ المراتب وبالرزق والغذاء تحفظ الحياة والحفظ مقترن عدديا بالعدد 5 الذي يقول عنه الشيخ إنه يحفظ نفسه وغيره ( ف ب 198 ص 446 ) وبالعدد مائة عدد الأسماء الحسنى التي بها حفظ الوجود - أي 99 مع الاسم الوتر الأعظم - . وبسريان الخمسة في المائة ينتج العدد " 500 " الذي هو عدد حرف هذه المرتبة أي حرف الثاء وهو الحرف الذي يرمز عادة لصفة " الثقيل " أي الجسم الذي لا قيام له إلا برزق الغذاء . ويرمز أيضا للثمرات والثواب . ولهذا فان بين هذا الباب 23 من الفصوص والباب الخامس الإبراهيمي علاقة متينة لأن لفص إبراهيم المرتبة الخامسة مرتبة الجسم الكلي . ولا بقاء للجسم إلا بالغذاء . ولهذا كانت الحقيقة الإبراهيمية مع ميكائيل مختصة بالرزق والغذاء من بين حملة