عبد الباقي مفتاح
43
المفاتيح الوجودية والقرآنية لكتاب فصوص الحكم لابن العربي
المرتبة 28 : لفص حكمة جامعية في كلمة خاتمية من الاسم رفيع الدرجات ذي العرش وحرف الواو ومنزله الرشا ببرج الحوت . ظهور مراتب الكون بتجلي الأسماء الحسنى إنما كان من الاسم الظاهر . فلنبدأ بآخر حلقة من سلسلة الظهور ونصعد لأولها : الظهور لا يكون إلّا بالاختلاف والتنوع ويستلزم التفاضل فرفيع وأرفع وسافل وأسفل . فلهذا كانت آخر الدرجات من الاسم الظاهر ، أي الدرجة 28 مناسبة لاسمه تعالى : رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ ( غافر ، 15 ) الذي يقول عنه الشيخ أنه ( متوجه على تعيين المراتب لا على إيجادها ، لأنها نسب لا تتصف بالوجود إذ لا عين لها . ولها من الحروف حرف الواو ومن المنازل المقدرة الرشا وهو الحبل الذي للفرع ( . . . ) وإنما كان لها الواو لأن الواو لها الستة من مراتب العدد وهي أول عدد كامل والكمال في العالم إنما كان بالمرتبة فأعطيناه الواو . ومن المنازل الرشا وهو الحبل والحبل الوصل وبه يكون الاعتصام كما هو باللّه . فأنزل الحبل منزلته فلو لا أن رتبة الحبل أعطت ذلك ما ثبت قوله : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ ( آل عمران ، 103 ) كما قال : وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ ( النساء ، 146 ) فافهم أين جعل رتبة الحبل وبأي اسم قرنه وإلى أي اسم أضافه ( . . . ) اعلم أن المراتب كلّها إلاهية بالأصالة وظهرت أحكامها في الكون وأعلى مرتبة إلاهية ظهرت في الإنسان الكامل . فأعلى الرتب رتبة الغنى عن كل شيء وتلك الرتبة لا تنبغي إلا للّه من حيث ذاته . وأعلى الرتب في العالم الغنى بكل شيء وإن شئت قلت الفقر إلى كل شيء وتلك رتبة الإنسان الكامل فان كل شيء خلق له ومن أجله وسخر له لما علم اللّه من حاجته إليه فليس له غنى عنه . والحاجة لا تكون إلا لمن بيده قضاؤها وليس إلا اللّه الذي بيده ملكوت كل شيء . فلا بد أن يتجلى لهذا الإنسان الكامل في صورة كل شيء ليؤدي إليه من صورة ذلك الشيء ما هو محتاج إليه وما يكون به قوامه ( . . . ) واعلم أنه لولا الصّور ما تميّزت الأعيان ولولا المراتب ما علمت مقادير الأشياء ولا كانت تنزل كل صورة منزلتها كما قالت عائشة أنزلوا الناس منازلهم . وبالرتبة علم الفاضل والمفضول وبها ميز بين اللّه والعالم وبها ظهرت حقائق ما هي عليه الأسماء الإلهية من عموم التعلق وخصوصه . . . ) انتهى . وقد سبق القول إن صاحب هذه المرتبة الكاملة الرفيعة المعينة للدرجات هو خاتم الأولياء المحمدي الذي عين هذه المراتب في أبواب الفصوص وفصول الباب 198 من الفتوحات وبه ظهرت أفضل رتبة وأعلى درجة للإنسان الكامل بجمعيته القرآنية وتفصيله الفرقاني الأوسع