عبد الباقي مفتاح

128

المفاتيح الوجودية والقرآنية لكتاب فصوص الحكم لابن العربي

( إن للّه سبعين ألف حجاب من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه . وكان اللّه ولا شيء معه . وقد سبق في علمه أن يكمل الوجود العرفاني بظهور آثار الأسماء الإلهية والنسب والإضافات لا أن يكمل هو بذلك تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، فهو الكامل على الإطلاق . فتجلى الحق سبحانه بنفسه لنفسه بأنوار السبحات الوجهية من كونه عالما مريدا فظهرت الأرواح المهيمة من الجلال والجمال . وذلك أن اللّه تعالى أحب أن يعرف ليجود على العالم بالعلم به عز وجل . وعلم أنه تعالى لا يعلم من حيث هويته ولا من حيث يعلم نفسه وإنه لا يحصل من العلم به تعالى في العالم إلا أن يعلم العالم أنه لا يعلم ، كما قال الصديق : العجز عن درك الإدراك إدراك . فلما اتصف لنا بالمحبة . والمحبة حكم يوجب رحمة الموصوف بها بنفسه . ولهذا يجد المتنفس راحة في نفسه . فبروز النفس من المتنفس عين رحمته بنفسه فما خرج منه تعالى إلا الرحمة التي وسعت كل شيء فانسحبت على جميع العالم إلى ما لا يتناهى . فأول صورة قبل نفس الرحمن صورة العماء فهو بخار رحماني هو عين الرحمة فكان الحق له كالقلب للإنسان كما أنه تعالى لقلب الإنسان العارف المؤمن كالقلب للإنسان فهو قلب القلب كما أنه مالك الملك فما حواه غيره . ثم إن جوهر ذلك العماء قبل صور الأرواح من الراحة والاسترواح إليها وهي الأرواح المهيمة فلم تعرف غير الجوهر الذي ظهرت فيه وبه وهو أصلها وهو باطن الحق وغيبه ظهر فظهر فيه وبه العالم ، فإنه من المحال أن يظهر العالم ، من حكم الباطن فلا بد من ظهور حق به يكون ظهور صور العالم فلم يكن غير العماء فهو الاسم الظاهر الرحمان فهامت في نفسها . وخلق تعالى في الغيب المستور الذي لا يمكن كشفه لمخلوق العنصر الأعظم ، وكان هذا الخلق دفعة واحدة من غير ترتيب سيي . وما ثم روح يعرف أن ثم سواه لفنائه في الحق بالحق واستيلاء سلطان الجلال عليه . ثم إنه سبحانه أوجد دون هذه الأرواح بتجل آخر من غير تلك المرتبة أرواحا متحيزة في أرض بيضاء ، خلقهم عليها وهيمهم فيها بالتسبيح والتقديس لا يعرفون أن اللّه خلق سواهم ، لاشتراكهم مع الأول في نور الهيمان ، وكل منهم على مقام من العلم باللّه والحال . وهذه الأرض خارجة عن عالم الطبيعة فهي لا تتحلل ولا تتبدل . وللإنسان في هذه الأرض مثال . وله حظ فيهم وله في الأرواح الأول مثال آخر وهو في كل عالم له مثال . ثم إن لذلك العنصر الأعظم المخزون في غيب الغيب التفاتة مخصوصة إلى عالم التدوين والتسطير ولا وجود لذلك العالم في العين فأوجد سبحانه عند تلك الالتفاتة العقل الأول . والالتفاتة إنما كانت للحقيقة الإنسانية التي هي المقصود والغاية وعين الجمع والوجود . والعقل الأول وهو القلم الأعلى ، هو واحد من تلك الأرواح المهيمة خص بتجل خاص علمي