عبد الباقي مفتاح

126

المفاتيح الوجودية والقرآنية لكتاب فصوص الحكم لابن العربي

ولعلاقة المقام النوحي بالتنزيه اللاهوتي والتشبيه الناسوتي فإن له نسبة خاصة مع عيسى عليه السلام الذي غلبت روحانيته على طبيعته العنصرية بحكم نشأته من نفخ جبريل عليه السلام . فنوح هو أول الرسل إلى البشر وعيسى آخرهم قبل خاتمهم عليهم الصلاة والسلام . ونوح هو فاتح دورة الإنسانية بعد الطوفان لقول اللّه تعالى عنه وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ ( الصافات ، 77 ) وعيسى هو خاتمها عند نزوله آخر الزمان . ومن هذه المناسبات نجد الشيخ عبد الكريم الجيلي في كتابه " الإنسان الكامل " يقول إنه اجتمع بنوح عليه السلام في السماء الثانية التي هي سماء عيسى ، وهي سماء المزج الجامعة لكل الطبائع ، ويقول إن اسم رئيس ملائكتها : نوحائيل . ولهذا نجد أيضا الشيخ الأكبر في كتاب " العبادلة " في الباب الذي عنوانه : " عبد اللّه بن شيث بن عبد العظيم " يقول : ( آدم ومحمد أخوان . ونوح وعيسى أخوان ، وإبراهيم وسليمان أخوان . وموسى وداود أخوان . هكذا تم الأمر لنا في الكشف وما عرفت المناسبة . فبالقلب طولعت به وأطلعت عليه ) انتهى . فنوح وعيسى أخوان لحكم الاسم الظاهر الباطن عليهما . أو لحكم فرقان التشبيه والتنزيه عند أممهما . ولعلاقتهما بالطبيعة من جهة وبالمقام الشيثي من جهة أخرى . . . فعلاقة عيسى بشيث سيأتي ذكرها في الفص التالي وهي تتعلق بنفث الأرواح في الأجسام . وأما علاقة نوح بشيث فلأن لشيث مرتبة اللوح أي النفس الكلية ، ولنوح مرتبة الطبيعة التي هي البنت المباشرة للنفس . والطبيعة هي الأم الكبرى مثلها مثل المرأة الكاملة مريم عليها السلام . فمريم هي المثل الإنساني للطبيعة المنفوخ فيها نفس الرحمان . وفي الطبيعة ظهر المقام النوحي كما ظهر عيسى من مريم فكأن أمهما واحدة . وكما أن هناك علاقة أخرى روحانية بين عيسى وإدريس قطب السماء الرابعة . فكذلك هناك علاقة تاريخية مباشرة بين نوح وإدريس كعلاقة التوأمين : الطبيعة والهباء المتولدين من النفس والعقل أو كعلاقة الاسمين الأخوين الحاكمين على حكمتي فصيهما أي السبوح القدوس . ولهذا ختم الشيخ هذا الفص بقوله : ( من أراد أن يقف على أسرار نوح فعليه بالرقي في فلك يوح ) أي فلك الشمس في السماء الرابعة حيث إدريس صاحب الفص التالي الرابع . وفي الجملة إشارة أخرى للطبيعة وهي أن حكم الطبيعة يتكرر كل سنة بانتهاء دورة شمسية بتعاقب الفصول الأربعة ، أي من أراد أن يقف على أسرار الطبيعة فعليه بالرقي إلى فلك الشمس وتتبع دورتها خلال سنة كاملة . وهو ما قام به الشيخ خلال معراجه الروحاني واجتماعه بإدريس كما فصله في كتاب " التنزلات الموصلية " .