عبد الباقي مفتاح

116

المفاتيح الوجودية والقرآنية لكتاب فصوص الحكم لابن العربي

وقد صرح الشيخ بذلك في الباب 346 - وهو منزل سورة ص - الذي فصل فيه شرف الحس عنما سواه فقال متكلما عن القوى الحسية : ( هي أتم لأن لها الاسم الوهاب لأنها هي التي تهب للقوى الروحانية ما تتصرف فيه وما يكون به حياتها العلمية من قوة خيال وفكر وحفظ وتصور ووهم وعقل وكل ذلك من مواد هذه القوى الحسية ولهذا قال اللّه تعالى في الذي أحبه من عباده : كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به وذكر الصورة المحسوسة وما ذكر من القوى الروحانية شيئا ولا أنزل نفسه منزلتها لأن منزلتها منزلة الافتقار إلى الحواس والحق لا ينزل منزلة من يفتقر إلى غيره والحواس مفتقرة إلى اللّه لا إلى غيره ، فنزل لمن هو مفتقر إليه لم يشرك به أحدا فأعطاها الغنى فهي يؤخذ منها وعنها ولا تأخذ هي من سائر القوى إلا من اللّه . فاعرف شرف الحس وقدره وإنه عين الحق ولهذا لا تكمل النشأة الآخرة إلا بوجود الحس والمحسوس لأنها لا تكمل إلا بالحق فالقوى الحسية هم الخلفاء على الحقيقة في أرض هذه النشأة عن اللّه ) . وأنسب الحروف لهذه المرتبة الخلافية الجامعة الخامسة هو خامس الحروف اللفظية أي الغين لأنه حرف الغاية ومفتاح الاسم " غني " الذي هو من أسماء الذات . وللغين غاية العدد أي الألف فإليه انتهى نفس الرحمن عدديا كما انتهى كونيا عند جسم الإنسان ولهذا يصفه الشيخ في الباب الثاني من الفتوحات فيقول : الغين مثل العين في أحواله * إلا تجليه الأطم الأخطر في الغين أسرار التجلي الأقهر * فاعرف حقيقة فيضه وتستر وانظر إليه من ستارة كونه * حذرا على الرسم الضعيف الأحقر وأنسب الكمل لحضرة الجسم الكل الظاهر هو سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام لعدة وجوه : أولا : الحقيقة الإبراهيمية العرشية - كما سبق ذكره في فص إسماعيل لها تدبير الأرزاق الحسية . ولا قيام للجسم إلا برزق الغذاء فروح الجسم الكل الممدة له بالرزق هو الحقيقة الإبراهيمية . ومرتبة الإمداد بالأرزاق هي المهيمنة على المراتب العرشية الأخرى وهي الأرواح والأجسام ومرتبتي الوعد والوعيد . لأن الوعد والوعيد تابعان لأحوال وأعمال النفوس المتولدة عن الأرواح والأجسام ، والأرواح متولدة عن الأجسام ولا قيام للأجسام إلا بغذاء الأرزاق الإبراهيمية التي تكلم الشيخ عنها في آخر هذا الفص وقرنها بمقام الخلة . ولهذا نجد في كتاب " العبادلة " عنوانا هو عبد اللّه بن إبراهيم بن عبد القيوم .