عبد الباقي مفتاح

117

المفاتيح الوجودية والقرآنية لكتاب فصوص الحكم لابن العربي

ثانيا : سيرته عليه السلام مشحونة بمظاهر الاسم الظاهر ومرتبة الجسم : كسر أجسام أصنام قومه إلا كبيرا لهم . ورمي جسمه في النار فكانت عليه بردا وسلاما لتخلل ذاته بالنور . وكانت حجته على قومه أنوار الأجسام الفلكية : الكواكب والقمر والشمس . وسن القرى أي إكرام الضيف بتقديم الغذاء له وبذبح الحيوان كما فعل عندما زارته الملائكة حيث جاء بعجل حنيذ وقدمه إليهم وقال : أَ لا تَأْكُلُونَ ( الصافات ، 91 ) كما سن الختان وباقي خصال الفطرة وكلها تتعلق بالعناية بالبدن . وورد في الخبر النبوي أن أول من يكسى بدنه يوم القيامة هو إبراهيم عليه السلام وعزم على التضحية بجسم ابنه ففدي بذبح كبش القربان . وبنى جسم بيت اللّه الكعبة حرما آمنا مباركا وهدى للعالمين ودعا اللّه أن يغذي سكان حرمه فقال : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ( إبراهيم ، 37 ) . ومن مناجاته وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ( 79 ) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ( الشعراء ، 79 - 80 ) ثم أنجب اللّه من جسمه رسولين عظيمين إسماعيل أبى العرب وإسحاق جد بني إسرائيل عليهما السلام ، فهو أبو الأنبياء . وهنا تظهر العلاقة الأصيلة بين الفصوص المتتالية الثلاثة فصوص إبراهيم وإسحاق وإسماعيل لأن الجسم الكل الإبراهيمي والشكل الكل الإسحاقي ظهرا أولا في العرش الإسماعيلي فكلهم واحد ولبيان هذا المعنى يقول الشيخ في الفصل 15 من الباب 198 وهو فصل الجسم الكل ما خلاصته : ( اعلم أن اللّه تعالى لما جعل في النفس القوة العملية أظهر اللّه بها صورة الجسم الكل في جوهر الهباء فعمر به الخلاء المستدير . ثم فتح في هذا الجسم صور العالم وجعله مستديرا متحركا بحركة دورية كالرحى لغلبة حرارة الطبيعية الحاكمة عليه فإن الاعتدال لا يظهر عنه شيء أصلا . وقبلت تلك الصور الأرواح من النفس الرحماني . وظهر حكم الزمان بالحركة فظهرت الصور بالترتيب تقديما وتأخيرا وظهر حكم الأسماء الإلهية بوجود هذه الصور وما تحمله ) إلى آخر ما فصله . وكما أن للجسم الثبات والإحاطة من حيث عينه والتغير في الشكل من حيث صوره فكذلك ظهر من إبراهيم إسماعيل الذي له مرتبة العرش المحيط الثابت وإسحاق الذي له مرتبة الشكل الكل المتغير والمستمد من الحكيم . ولعلاقة الثبوت بالمرتبة الإبراهيمية كان لهذه المرتبة العدد خمسة إذ هي خامس المراتب . والخمسة - كما يقول الشيخ - تحفظ نفسها وغيرها . فبقيت الملة الإبراهيمية عند ذرية إسماعيل محفوظة إلى يوم القيامة وبقي اسم إبراهيم مذكورا بالتعظيم عند جل الأمم والملل مصداقا لدعائه وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ( الشعراء ، 84 ) ومذكورا عند كل صلاة وعند كل حج