محمود شهابي
9
النظرة الدقيقة في قاعدة بسيط الحقيقة
حقيقته وحصول مصاديقه الخارجيّة في الذّهن ولدى العقل ، امر غير معقول وانّ ما يحصل في الذّهن هو مفهوم منتزع منه وهو من اجلى المفاهيم واعرفها ومن اعمّ المعاني واشملها وهو حاك عن حقيقة واحدة بسيطة تكون متحقّقة بنفس ذاتها من دون افتقار في تحصّلها إلى شئ ينضّم إليها ، ذاتيّا كان كالفصل ، أو عرضيا ، صنفيّا كان أو شخصيّا . إذا عرفت ذلك فاعرفن انّ ما هو محطّ نظر الفلاسفة ومعركة آرائهم ، قديما « 1 » وحديثا ، من حيث الأصالة في التّحقّق ، هو محكّى مفهوم الوجود ومصداقه فالأصالة عندهم دائر مدار أحد الأمرين : الوجود أو المهيّة . فذهب فريق منهم إلى انّ التّاصّل في التحصّل خاصّ الوجود فالمهيّة عندهم امر اعتباري منتزع عن حدّ الوجود المحدود . وذهب فريق آخر إلى كون المهّية أصيلة وكون الوجود امرا اعتباريّا منتزعا عن المهّية ، أو كما عبّروا منتزعا من تقرّرها وتحصّلها ومجعوليّتها . ولم يذهب أحد منهم إلى كونهما أصلين مستقلّين ولا إلى كونهما جميعا اعتباريّين إذ لا يسوغ في شريعة العقل ذلك . اما الثاني فلما عرفت في الأمر الأوّل من المقدّمة من انحصار الأمر في التّحقّق فيهما ، ولا يتصوّر في دار التّحصّل وعرصة التّأصّل ثالث لهما وإذ ليس هنا شيئى ثالث فلا منشأ للانتزاع ولا مجال للاعتبار فلا اعتبار ولا انتزاع . واما الأول فلان اصالتهما جميعا تلزم لوازم فاسدة لا يلتزم بها عاقل . منها - عدم صحّة القضايا المعقودة بالحمل الشّائع ، بداهة كون الموضوع والمحمول فيها مختلفان ذاتا ومفهوما فلا يصحّ حمل أحد المتغائرين على الأخر
--> ( 1 ) - وان لم يكن للأقدمين ، كالمعلم الأول من اليونانيين والمعلم الثاني ومن في طبقته زمانا أو حذا حذوه بيانا كالشيخ ابن سينا ، بحث حول « الاصالة » بعنوانها ولكن المتأخرين ، الباحثين تحت عنوان « الاصالة » عبارة ، القائلين بالأصالة للوجود أو المهية صراحة استنبط كل فرقة منهما من كلمات الأقدمين ما يناسب ، بزعمه ، مرامه واستشهد من عباراتهم ما يؤيد ، بظنه ، مراده .