أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

80

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

كل شيء فلم يحجبه شيء عن شيء ، قال اللّه تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [ الإسراء : 44 ] ، يقول بلسان حاله سبحان المتجلي لكل شيء الظاهر بكل شيء يفقهه العارفون ويجهله الغافلون ، ثم ذكر الخامس فقال : [ كيف يتصوّر أن يحجبه شيء وهو الظاهر قبل وجود كلّ شيء ؟ ] . فكل ما ظهر فمنه وإليه فكان في أزله ظاهرا بنفسه ، ثم تجلى لنفسه بنفسه ، فهو الغني بذاته عن أن يظهر بغيره أو يحتاج إلى من يعرفه غيره ، فالكون كله مجموع والغير عندنا ممنوع ، ثم ذكر السادس فقال : [ كيف يتصوّر أن يحجبه شيء وهو أظهر من كلّ شيء ؟ ] . إذ لا وجود للأشياء مع وجوده ، ولا ظهور لها مع ظهوره ، وعلى تقدير ظهورها ، فلا وجود لها من ذاتها ، فلو لا ظهوره في الأشياء ما وقع عليها أبصار : من لا وجود لذاته من ذاته * فوجوده لولاه عين محال فالعبد في حالة الحجاب تكون نفسه وجودها عنده ضروريا ، ووجود الحق تعالى عنده نظريا ، فإذا عرف الحق وفني عن نفسه وتحقق بزوالها صار عنده وجود الحق ضروريا ووجود نفسه نظريّا ، بل محال ضرورة . قال أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه تعالى عنه : إنا لننظر إلى اللّه ببصر الإيمان والإيقان فأغنانا عن الدليل والبرهان ، وإنا لا نري أحدا من الخلق ، فهل في الوجود أحد سوي الملك الحق ؟ وإن كان ولا بد فكالهباء في الهواء إن فتشتهم لم تجدهم شيئا انتهى . زاد في « لطائف المنن » ، ومن أعجب العجب أن تكون الكائنات موصلة إلى اللّه ! فليت شعري ، هل لها وجود معه حتى توصل إليه ؟ أو هل لها من الوضوح ما ليس له حتى تكون هي المظهرة له ؟ وإن كانت الكائنات موصلة له فليس ذلك لها من حيث ذاتها ، لكن هو الذي ولاها رتبة التوصيل ، فوصلت ، فما وصل إليه غير إلهيته ، ولكن الحكيم هو واضع الأسباب ، وهي لمن وقف معها ولا ينفذ إلى قدرته عين الحجاب فظهور الحق أجلى من كل ما ظهر ، إذ هو السبب في ظهور