أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
79
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
يعرف بالمعارف من به عرفت المعارف ؟ عجبت لمن يبغي عليك شهادة ، وأنت الذي أشهدته كل شاهد ، ثم ذكر الثاني فقال : [ كيف يتصوّر أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر بكل شيء ] . بباء الجر أي تجلّى بكل شيء ، فلا وجود لشيء مع وجوده ، فكيف يحجبه شيء ، والغرض أن لا شيء . قال صاحب العينية رضي اللّه تعالى عنه : تجليت في الأشياء حين خلقتها * فها هي ميطت عنك فيها البراقع ثم ذكر الثالث فقال : [ كيف يتصوّر أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر في كلّ شيء ؟ ] . بقدرته وحكمته ، القدرة باطنة والحكمة ظاهرة ، [ أو تقول : بجمعه وفرقه ، الجمع باطن ، والفرق ظاهر « 1 » ] . فالوجود كله بين قدرة وحكمة ، وبين جمع وفرق ، وقد تقدم قول بعضهم : ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه فيه أي : بقدرته وحكمته ، فلولا ظهور أنوار الصفات ما عرفت الذات ، ولولا الحس ما قبضت المعنى ، ولولا الكثيف ما عرفت اللطيف ، وللششتري رحمه اللّه تعالى : محبوبي قد عم الوجود ، وقد ظهر في بيض وسود ، وفي النصاري مع اليهود ، وفي الخنازير مع القرود ، وفي الحروف مع النقط ، أفهمني قط أفهمني قط « 2 » ، ثم قال : عرفته طول الزمان ، ظهر لي في كل أوان ، وفي المياه وفي الدلوان ، وفي الطلوع وفي الهبوط ، افهمني قط افهمني قط ، ثم ذكر الرابع فقال : [ كيف يتصوّر أن يحجبه شيء وهو الظاهر لكلّ شيء ؟ ] . بلام الجر أي المتجلي لكل شيء بأسرار ذاته وأنوار صفاته . ولما تجلى لكل شيء وعرفه في الباطن كل شيء وسبح بحمده
--> ( 1 ) ما بين [ ] زيادة من الأصل . ( 2 ) ولا يتهم أحد السادة الصوفية بالحلول أو الانحاد بسبب هذه الأشعار إلا وفي قلبه مرض عضال وإلا فكيف ينكر ذو عقل أن اللّه تعالى له في كل شيء آية تدل على أنه الواحد : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [ فصلت : 53 ] .