أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
588
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
بالمجاهدة والمكابدة ، وهو مقام أهل السلوك من المحبين ، ويكون جذبا وعناية ، وهو مقام أهل الجذب من المحبوبين ، وقد يكون أولا مجاهدة وآخرا جذبا وعناية ، وهو أعظم قدرا وأعم نفعا وأنفع تربية ، وهو الذي أراد الشيخ رضي اللّه تعالى عنه ، لأنه طلب أولا التحقيق بحقائق أهل القرب وهم أهل التقرب حتى أحبهم اللّه ، ثم طلب ثانيا سلوك أهل الجذب ، وهم المحبوبون الذين اجتباهم اللّه واختطف أرواحهم من شهود الأغيار إلى شهود الأنوار قال تعالى : اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ [ الشورى : 13 ] ، وهم المحبوبون وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ [ الرعد : 27 ] وهم المحبون ، فأراد الشيخ أن يكون جامعا بين سلوك وجذب وهو أعظم من غيره . وقال بعضهم : أهل القرب هم أهل الحضرة المستغرقون في الشهود ، لأن اللّه تعالى ليس في حقه قرب ولا بعد ، وإنما ذلك في حق العبد ، فمن رفع الحجاب عن عين قلبه وفاضت عليه أنوار قربه ، رمته المراقبة للمشاهدة ، والمشاهدة للمكاشفة ، والمكاشفة للمعاينة ، والمعاينة للمسامرة والمحادثة والمكالمة ، وصار الحق أبدا جليسه وأنيسه ، فهذا هو التقريب للعبد بعد البعد وخرق جميع الحجب ، وهذا المقام هو الذي طلب الشيخ أبو الحسن بقوله : وأقرب منى بقدرتك قربا تمحق به عني كل حجاب محقته عن إبراهيم خليلك إلخ . وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه : أهل المحبة والشوق على قسمين : قوم اشتاقت نفوسهم على الغيبة ، فلا سكون لهم إلا باللقاء . وقوم اشتاقت أرواحهم على الحضور والمعاينة والشهود ، فلا سكون لهم إلا بالغوص في بحر الأسرار وتنزل المعاني على قلوبهم . وقال أبو يزيد رضي اللّه تعالى عنه : للّه رجال لو حجبهم في الجنة عن رؤيته لاستغاثوا من الجنة كما يستغيث أهل النار من النار ، لكنهم على الأرائك ينظرون . وقال سمنون : ذهب المحبون للّه بشرف الدنيا والآخرة ، لأنهم معه أبدا ، والنبي صلى اللّه عليه وآله