أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
589
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
وسلم قال : « المرء مع من أحبّ « 1 » » . وسأل جماعة من المشايخ الجنيد رضي اللّه تعالى عنه عن المحبة ؟ فبكى وقال : كيف أصف عبدا ذاهبا عن نفسه ، متصلا بذكر ربه ، قائما بأداء حقوقه ، ناظرا إليه بعين قلبه ، قد أحرق قلبه نار هيبته ، وصفا شربه من كأس وده ، وانكشف له الجبار من أستار غيبه ؟ فإن تكلم فباللّه ، وإن نطق فمن اللّه ، وإن تحرك فبأمر اللّه ، وإن سكن فمع اللّه ، وهو باللّه وللّه ومع اللّه . انتهى . فقالوا : ما على هذا مزيد يا تاج العارفين ، وهذا الوصف صادق بأهل السلوك والجذب ، واللّه تعالى أعلم . ولا شك أن من بلغ هذا المقام ، ورسخت المحبة والمعرفة في قلبه على التمام ، لم يبق له مع محبوبه تدبير ولا اختيار ، ولا تشوّق ولا انتظار ، كما أبان ذلك في المناجاة الرابعة والعشرين بقوله : 367 - إلهي أغنني بتدبيرك عن تدبيري ؛ وباختيارك عن اختياري ، وأوقفني على مراكز اضطراري . قلت : الاستغناء بتدبير اللّه عن تدبير النفس ، وباختيار الحق عن اختيار العبد . إنما يكون بعد الغيبة عن النفس بشهود مدبر الأمور والمتصرف فيها ، وهو الفاعل المختار الواحد القهار ، لأنه هو المنفرد بالتدبير والاختيار ، والمشيئة والاقتدار . وأما قبل الغيبة عنها بمعرفة سيرها فلا يتخلص العبد من كدر التدبير ، وظلمة التكدير ، ولذلك طلب الشيخ أن يغيبه اللّه بمعرفته حتى تجتمع همومه وقصوده ، وإرادته واختياراته في هم واحد وهو شهود محبوبه ، كما قال القائل : كانت لقلبي أهواء مفرّقة * فاستجمعت مذ أرتك العين أهوائي فصار يحسدني من كنت أحسده * وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي تركت للنّاس دنياهم ودينهم * شغلا بذكرك يا ديني ودنيائي
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 5 / 2283 ) ، ومسلم ( 4 / 2034 ) .