أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

582

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

وقولها ( فشغلى بذكرك عمن سواك ) من باب التعبير بالمسبب عن السبب والأصل ؛ فثمرته شغلى بذكرك إلخ . وقولها أيضا : ( فكشفك للحجب حتى أراك ) من باب التعبير بالسبب عن المسبب عكس ما قبله ، والأصل فسببه ومنشؤه كشف الحجاب حتى رأيتك بعين قلبي . وقولها ( فلا الحمد إلخ ) إخبار منها بأن الحبين معا منه وإليه في الحقيقة لا كسب لها في ذلك وإدراك التفاوت بين ما تؤثره شربة المحبة الناشئة عن شهود الإحسان ، وما تؤثره شربة المحبة الناشئة عن شهود الجمال ، ونعوت الكمال ، وأن أثر الثانية أقوى من أثر الأولى ، بل لا نسبة بينهما ضروري عن كل ذائق انتهى قاله الفاسي في شرح الرائية . فقول الشيخ رضي اللّه تعالى عنه : لم تجعل له من حبك نصيبا ؛ يحتمل أن يكون من إضافة المصدر إلى الفاعل والمفعول . والأول أبلغ ، لأن محبة اللّه لعبده أعظم ، لأنها أصل محبة العبد لمولاه قال تعالى : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : 54 ] ، فمن أعطاه اللّه تعالى من حبه المذكور نصيبا ، فقد حاز ربح الدارين وفاز بقرة العين ، ومن حرمه ذلك فقد خسرت صفقته وبان غبنه وخيبته ، نسأل اللّه منته ورحمته . قال زيد بن أسلم رضي اللّه تعالى عنه : إن اللّه عز وجلّ ليحب العبد حتى يبلغ من حبه له أن يقول له : اصنع ما شئت فقد غفرت لك . انتهى من ابن عباد . ولما كانت نهاية المحبة الفناء في المحبوب ، ونهاية الفناء البقاء ، وهو الرجوع إلى الأثر أشار إلى ذلك الشيخ فقال في المناجاة الموفية عشرين : 363 - إلهي أمرت بالرجوع إلى الآثار ، فأرجعني إليها بكسوة الأنوار وهداية الاستبصار ، حتى أرجع إليك منها ، كما دخلت عليك منها مصون السر عن النظر إليها ، مرفوع الهمة عن الاعتماد عليها ، إنك على كل شيء قدير . قلت : الرجوع إلى الآثار : هو النزول من عش الحضرة التي هي الإغراق في