أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
583
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
بحر الوحدة والغيبة عن السوي بالكلية إلى سماء الحقوق وأرض الحظوظ ، فينزلون إلى سماء الحقوق أدبا مع الربوبية ، وقياما بحقوق العبودية ، وإلى أرض الحظوظ أدبا مع الحكمة وإظهارا لوظائف العبودية . ومثال الأول وهو النزول إلى سماء الحقوق ، ما يلزم العبد من العبادات البدنية أو المالية مؤقتة أو غير مؤقتة . ومثال الثاني وهو النزول إلى أرض الحظوظ ، ما تفتقر إليه البشرية من مأكل ومشرب وملبس ومنكح وغير ذلك من الأمور الحاجية ؛ وقد أمر اللّه تعالى بهما ليتميز سر الربوبية من سر العبودية ، أو ليظهر استغناء الربوبية بافتقار العبودية ، فطلب الشيخ رضي اللّه تعالى عنه أن يرده إليها بعد أن كان رحل عنها بهمته بكسوة الأنوار وهي أنوار الشهود ، فيكون رجوعه إلي الأثر باللّه غائبا عن حظه وهواه ، وقد كان قبل أن يرحل عنها يتعاطاها بنفسه بعد متعته وحظه ، فلما عرف الحق غاب عن نفسه ، فإذا رجع إلي رسم بشريته رجع إليه باللّه ، قد كساه أنوار الشهود عن الالتفات إلى سواه ، وطلب أيضا أن يكون رجوعه إلى الآثار متلبسا بهداية الاستبصار ، وهي تحقيق المعرفة في الأشياء التي يتعاطاها كانت عبادات أو عادات ، فلا يسرقه فيها طبع ولا حس ، بل يدخل فيها باللّه ومن اللّه وإلى اللّه ، ويخرج منها كذلك وهو معنى قوله : حتى أرجع إليك منها : أي حتى تكون تلك الأشياء هي التي تردني إليك حين نعرفك فيها ونشاهد عظمتك ونور جبروتك فيها ، إذ الوجود كله مستمد من بحر جبروتك . فالعارف يشرب من كل شيء ، ويتقوت من كل شيء ، يأخذ النصيب من كل شيء ولا ينقص من نوره شيء . فتحصل أن كسوة الأنوار هي دخوله في العبادات وفي العادات باللّه لا بنفسه . وهداية الاستبصار : هي معرفته في تلك الآثار التي نزل إليها ورجع لها . وقوله : كما دخلت إليك منها ، معناه أنه كان مع الأكوان وهي حاجبة له عن شهود المكوّن ، فلما عرف فيها كان دخوله على اللّه منها ، وهذا كما قال شيخ شيوخنا المجذوب رضي اللّه تعالى عنه :