أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
581
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
حظي منها البعد انتهى . وفي بعض الكتب المنزلة على بعض الأنبياء عليهم السلام : يا عبدي أنا لك محب فبحقي عليك كن لي محبّا ، فمحبة اللّه لعبده تقريبه واجتباؤه لحضرته ، ومحبة العبد للّه طاعته بامتثال أمره واجتناب نهيه ، والاستسلام لقهره ، فهذه أوائل المحبة وهي كسبية ، ونهايتها كشف الحجاب وفتح الباب ، والدخول مع الأحباب ، وهذه وهبية نتيجة الكسبية ، وإلى هذا المعنى أشارت رابعة العدوية في شعرها حيث قالت : أحبّك حبّين حبّ الهوى * وحبّا لأنّك أهل لذاك فأمّا الّذي هو حبّ الهوى * فشغلى بذكرك عمّن سواك وأمّا الذي أنت أهل له * فكشفك للحجب حتّى أراك فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي * ولكن لك الحمد في ذا وذاك فأشارت رضي اللّه عنها إلى أن محبة العبد للّه على قسمين : قسم ناشئ عن شهود الإحسان ، وقسم ناشئ عن شهود الجمال . فأما الأول : الذي هو ناشئ عن شهود الإحسان ، فلا شك أن العبد إذا نظر إلى إحسان اللّه تعالى وانعامه عليه بضروب النعم الحسية والمعنوية أحبه لا محالة ، لأن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها ، وهذا هو المسمى بحب الهوى : أي الميل وهو مكتسب لأن الإنسان مغمور بإحسانات اللّه إليه وهو متمكن من النظر فيها ، فلا يزال يطالع نعمة بعد نعمة ومنة بعد منة ، وكل نعمة أعظم من التي قبلها ، فتعظم محبته لمولاه ، وبذلك يبلغ قصده ومناه . وأما الثاني : وهو الناشئ عن شهود الجمال ، فإن العبد إذا كشف الحجاب عن قلبه ، وزالت عنه الموانع والقواطع رأي جمال الحق وكماله ، وأشرقت أنوار الحضرة وسناها على قلبه ، والجمال محبوب بالطبع ، فانعقدت المحبة بينه وبين مولاه ، وإنما خصصت رابعة رضي اللّه عنها الحب الناشئ عن شهود الجمال بالأهلية دون الأول وإن كان أهلا للجميع ، لأن هذا منة اللّه لا كسب للعبد فيه والآخر فيه سبب وعمل العبد معلول ،