أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
571
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
فالكل يطلب نعمي حيث ضل وما * يحظى بنعمي سوى فرد بأفراد مهلا عليك وعد من حيث جئت وسل * في الدارئين غدا عن ساكن الوادي عساك تلقى خبيرا عالما بهم * ينبيك عنهم ولم يلمم بميعاد قال بعض الحكماء : تاللّه ما ظفر بسعدي إلا من تاه في أرض التقديس ، وتنزه عن الخسيس والنفيس فأصبح جسمه وروحه العصى ونفسه فرعون ، فكلامه صمت وصمته كلام ، ولسان حاله يخاطب جميع الأنام ، فلو عرضت عليه الشهادة في باب الحجرة والموت داخلها على حسن الختام لترك الشهادة واختار الموت على أكمل التمام ، عملا على اليقين دون الشك ، واللّه خير وأبقى . يا هذا ما أطيب عيش من دعي فأجاب ! ما أعز قدر من لازم الباب ! ما أخس قدر من أبعد عن الجناب ! ما أبخس قيمة من له على الغفلات انكباب ! إذا غلب الطبع فلا تنفع الحيلة ، ومن سبق له القضاء لم تنفعه الوسيلة ، فسبحان من يعطي ويمنع ويضر وينفع ، جذبت العناية سلمان الفارسي من أرض فارس ، ونودي بلال من بلاد الحبشة ، وأبو طالب على باب التحقيق ، وقد حرم التوفيق ، وقع الحكم ونفذ الأمر وسبقت المشيئة وجف القلم : لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [ الأنفال : 63 ] ، انتهى . وكما أن حكمه النافذ يهدم الاعتماد على الأحوال ، كذلك عدله القاهر يهدم الاعتماد على الأعمال ، كما أبان ذلك في المناجاة الرابعة عشرة حيث قال : 357 - إلهي كم من طاعة بنيتها ، وحالة شيدتها هدم اعتمادي عليها عدلك ، بل أقالني منها فضلك . قلت : لا ينبغي للعبد أن ينظر إلى شيء من طاعته وإن عظمت ، ولا أن يستحسن شيئا من أحواله وإن حسنت ، فالناقد بصير ، والرقيب على الضمائر خبير ، فكم من طاعة تعظم في عين صاحبها كأمثال الجبال لا تساوي عند اللّه جناح بعوضة ، وكم من أحوال تصفو عند صاحبها ، وهي عند اللّه مدخولة ، وقد