أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
572
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
تقدم قوله لا كبيرة إذا قابلك فضله ، ولا صغيرة إذا واجهك عدله ، فمن قابله بفضله عادت كبائره صغائر ، ومن واجهه بعدله رجعت صغائره كبائر ، ولذلك قال هنا : كم من طاعة بنيتها أي : نميتها وكثرتها هدم اعتمادي عليها عدلك ! أي : نظري إلى عدلك ، فلما نظرت إلى عدلك تلاشت أعمالي ، واضمحلت أحوالي وكم من حالة شيدتها ورفعتها ، فلما نظرت إلى عدلك وشدة مناقشتك انهدمت وتلاشت ، بل أقالني منها بأن زالت نسبتها عني فضلك وهدايتك وتوفيقك ، فلم تبق لي طاعة ولا حال ، ورجع ذلك إلى الفاعل المختار الكبير المتعال . فالواجب على العبد أن ينسلخ من علمه وعمله وحاله ونفسه وروحه وحوله وقوته ، ويبقى فقيرا بين يدي سيده . عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ [ النحل : 75 ] . قال بعضهم : واللّه ما غاص في بحر الفناء إلا من باع نفسه من اللّه ، إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [ التوبة : 111 ] كيف يخوض في بحر الحقائق من لم يخلص علمه وعمله من الزيف ؟ ! وصيارفة الحق بالمحك المحمدي على الساحل يردون من لا يخلص وأين الإخلاص ؟ هذا لمن وصل إلى ساحل ذلك البحر ، فكيف بمن ينكره ولا يصدق به أو يسير إليه منحرفا دون استقامة ؟ كما قيل : ليس من بات قريرا عينه * مثل من أصبح قفرا دارسا ليس من أكرم بالوصل كمن * ظل يهذى بلعل وعسى ليس من ألبس أثواب التقى * مثل من ألبس ثوبا دنسا ليس من سير به مثل الذي * بات يرعى بالحمى مبتئسا ليس من شاهد صبحا واضحا * مثل من شاهد ليلا غلسا ليس من بوئ روضات الحمى * مثل من أسكن قفرا بائسا ليس من أشبه غصنا يانعا * مثل من أشبه عودا يابسا ثم إن عدم الاعتماد على العمل لا يقتضي ترك العمل ، بل يجب على العبد أن