أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

568

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

355 - إلهي من كانت محاسنه مساوئ فكيف لا تكون مساوئه مساوئ ؟ ومن كانت حقائقه دعاوي ، فكيف لا تكون دعاويه دعاوى قلت : محاسن الإنسان لا تخلو من خلل ونقصان ، ولو لم يكن إلا نسبتها لنفسه وفعله ورؤيتها من قوته وحوله ، لكان كافيا في خللها ونقصها ، فتنقلب مساوىء بعد أن كانت في الصورة محاسن ، وإذا كانت محاسنه مساوىء ، فكيف لا تكون مساوئه مساوىء ؟ وكذلك حقائق العبد ، وهي ما تحقق به من المقامات والمنازلات ، وأذواق العارفين ، ومواجيد المحبين ، لا تخلو من شوائب الدعوى ، ومسارقة الهوى ، لولا مسامحة المولى . فإذا كانت حقائقه التي تحقق بها وذاقها لا تخلو من شوائب الدعوى . فإذا نسبها لنفسه كانت كلها دعوي ، فكيف لا تكون دعاويه الفارغة دعاوى ، فإذا علم العبد هذا استحي من مولاه أن ينسب لنفسه شيئا من المحاسن أو يثبت لها نوعا من الحقائق ، فربما يفضح على رؤوس الخلائق ، ويكفي المريب وجدان السلامة . قال ذو النون رضي اللّه تعالى عنه : الحياء من اللّه يقطع العبارة ، ويدقق الإشارة ، وقال السري السقطي رضي اللّه تعالى عنه : الحياء من اللّه يطرق القلب ، فإذا وجد فيه شيئا من حب الدنيا رحل . وقال أبو سليمان الداراني رضي اللّه تعالى عنه : يقول اللّه تعالى : « عبدي إنك ما استحييت منى أنسي الناس عيوبك ، وأنسي بقاع الأرض ذنوبك ، وأمحو من أم الكتاب زلّاتك ، ولا أناقشك بالحساب يوم القيامة » انتهى . وقد فسّر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الحياء فقال : « الحياء من اللّه : أن تحفظ الرأس وما وعي والبطن وما حوى ، وتذكر القبر والبلى ، وتترك أفضل زينة الدنيا ، فمن فعل ذلك فقد استحى من اللّه حق الحياء « 1 » » ، انتهى .

--> ( 1 ) رواه الترمذي ( 4 / 637 ) .