أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

569

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

ووجد رجل نائم في موضع مخوف كثير السباع والآفات ودابته حوله ترعي ، فقيل له : إنك في موضع مخوف ، فقال : إنا نستحي أن نخاف غير اللّه ، ثم رجع لنومه . وفي الحكمة : من استحيي من اللّه وهو مطيع استحيي اللّه منه وهو مذنب . وسئل الجنيد عن الحياء ما هو ؟ فقال : شيء يتولد بين رؤية النعماء ورؤية التقصير ، وقال الفضيل : علامة الشقاوة خمسة : قلة الحياء ، وقسوة القلب ، وجمود العين ، والرغبة في الدنيا ، وطول الأمل ، انتهى . ثم على تقدير سلامة محاسنه من المساوىء ، وتصفية حقائقه من الدعاوي ، فأمر المشيئة مبهم ، والسابقة والخاتمة غير معلوم أمرهما ، فلا يدري ما يفعل اللّه به كما أبان ذلك ، في المناجاة الثالثة عشرة بقوله : 356 - إلهي حكمك النافذ ومشيئتك القاهرة ، لم يتركا لذي حال حالا ولا لذي مقال مقالا . قلت : لا شك أن حكم الحق نافذ في خلقه لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه ، يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [ الأنبياء : 23 ] ، وهذا هو الذي حرك قلوب العارفين فلم يطمئنوا بحال ، ولم يعتمدوا على عمل ولا مقال ، بل صاروا مضطرين إلى اللّه في كل حال ، لأنهم قد علموا أن حكم اللّه نافذ كلمح البصر أو هو أقرب ، ومشيئته قاهرة لا يصرفها عن إنفاذ مرادها صارف ، ولا تردها همة ولي ولا عارف ، ففي لحظة واحدة يقرب البعيد ، ويبعد القريب ، ويرفع الوضيع ، ويضع الرفيع ، ويعز الذليل ، ويذل العزيز ، ويغني الفقير ، ويفقر الغني ، ويبسط المقبوض ، ويقبض المبسوط ، ويمرض الصحيح ، ويصحح المريض ، فكيف يصح لعاقل أن يركن إلى حاله ومقامه ، أو يعتمد على علمه وأعماله ، أو يغتر ببسط لسانه ومقاله ، واللّه تعالى يقول : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [ الأنفال : 24 ] . قال بعضهم : من أين للعبد ثبوت حال أو مقال