أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

564

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

الجلال كما يعرفه في الجمال ، إلى غير ذلك مما تقدم ، ويتلون مع كل لون ويتطور مع كل طور ، فالعارف هو الذي يتطور بجميع الأطوار ليقضي جميع الأطوار ، والتلون مع الأشياء هو الأدب معها ، والخضوع مع الحق فيها . وأما من كان يعرف في الجمال دون الجلال ، وفي العطاء دون المنع ، وفي العز دون الذل ، وفي الصحة دون المرض ، أو في العافية دون المحنة ، أو في الغني دون الفاقة ، أو في الرخاء دون الشدة ، فإنه كذاب . وانظر إلي قول القائل : ( حبيبي ومحبوبي على كل حالة ) . وما أقبح الإنسان يدعي الخصوصية والمعرفة ونفي السوى ، فإذا تعرف له الحق تعالى باسمه الجليل أنكره وهرب منه ، وهذه عادة اللّه تعالى في عباده كل من ادعي خصوصية أو قوة اختبره في الحين : لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً [ الأحزاب : 8 ] ، فيفتضح المدعون ، ويثبت الصادقون ، وقد ذاق الشيخ رضي للّه عنه هذا المعنى بعد أن كان يعرف في البعض وينكر في البعض ، فلما تحقق علم أن اختلاف الآثار وتنقلات الأطوار ، إنما سرها ليعرف الحق بها فقال : إلهي قد علمت أي : تيقنت باختلاف الآثار إي : آثار القدرة وتنقلات الأطوار أي : الأعراض والأحوال أن مرادك منى أن تتعرف إلى في كل شيء من اختلافات أجناس القدرة وتنقلات أطوارها ، حتى لا أجهلك في شيء منها . قال في التنوير : كل حالة زائلة لا محالة ، لأن مراد الحق أن ينقل عبده في الأطوار ويخالف عليه الآثار ، حتى يتعرف إليه في كل حالة خاصة بتعرف خاص ، ومن أراد حالة واحدة لم يرد الكمال ، انتهى . فاللّه تعالى إنما أراد من عباده معرفته ، قال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذريات : 56 ] قال ابن عباس : أي ليعرفون ، ومعرفته إنما تكون بتخالف الآثار ، وتنقلات الأطوار . وذكر غيره في تفسير قوله تعالى : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ [ الرحمن : 46 ] أن إحدى الجنتين معرفة اللّه وهي جنة المعارف ، والأخرى جنة الزخارف ، ومن دخل المعارف لم يشتق إلى شيء سواها . وقال مالك بن دينار :