أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

565

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

خرج الناس من الدنيا ولم يذوقوا أطيب شيء فيها . قيل : وما ذاك ؟ قال : معرفة اللّه تعالى . وقيل : إنه وجد حجر مكتوب بقلم القدرة : من أحسن كل شيء ولم يعرف اللّه لم يحسن شيئا حتى يعرف اللّه ، فإذا عرف اللّه فقد أحسن كل شيء ولم يغب عنه شيء ، انتهى . ويكفي من عرف اللّه الراحة من كد الرزق ، وتعب الحرص ، وتشويش البال منه ، وتعلق الوهم به ، فإنه لم يؤت أكثر الخلق إلا من الاهتمام به ، ولو قنع العبد لاستغني الغني الذي لا فقر بعده والتوكل على الحي الذي لا يموت هو الغني الأكبر ، الذي لا يلحقه فقر أبدا . قال الفضيل رضي اللّه تعالى عنه : لا ينبغي للعبد أن يثق بعافية ولا بغني ولا بحالة تسره غير اللّه ، وبينما العبد معافى تراه مبتلى ، وبينما العبد غنيّا تراه فقيرا ، وبينما العبد ضاحكا تراه باكيا ، وبينما العبد مسرورا تراه حزينا ، وبينما العبد حيّا وإذا به ميت ، تعس من وثق بغير اللّه أو ركن لشئ سوى اللّه انتهى . حكي أن رجلا ضاق حاله من أجل المعيشة وطال به الكد والتعب ، فخرج هائما على وجهه ودخل الصحراء ، فوجد قصرا دارسا خربا قد كشف عنه الريح الرمل ، وإذا بكوخ من الرخام في حائط ذلك القصر وفيه مكتوب هذه الحكمة : لما رأيتك جالسا مستقبلا * أيقنت أنك للهموم قرين مالا يقدر لا يكون بحيلة * أبدا وما هو كائن سيكون سيكون ما هو كائن في وقته * وأخو الجهالة متعب محزون يجرى الحريص ولا ينال بحرصه * شيئا ويحظى عاجز ومهين فدع الهموم تعر من أثوابها * إن كان عندك بالقضاء يقين هون عليك وكن بربك واثقا * فأخو الحقيقة شأنه التهوين طرح الأذى عن نفسه في رزقه * لما تيقن أنه مضمون