أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

550

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

الزاخر ، وكمال إحسانك الباهر ، فقابل إساءتنا بإحسانك وغط مساوئنا بوصف كرمك وامتنانك ، فإنك أهل التقوى وأهل المغفرة يا أكرم الأكرمين . حكي عن بعض الناس أنه قال : إلهي كم أعصيك وأنت تسترني ؟ فسمع قائلا يقول : لتعلم أني أنا وأنت أنت . وقيل : إن اللّه تعالى خلق ملكا ينادي : يا ابن آدم يا مسكين ، كنت في العدم مفقودا فمن ذا الذي صيرك نسخة الوجود إلا الكريم ذو الجود ؟ من ذا الذي أبرزك من عالم الغيب لعالم الشهود ؟ من ذا الذي استنقذك من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ؟ من ذا الذي تكفل بشؤونك إلا الكريم المنان ؟ فكن مطيعا للّه تكن عبده حقا ، ولا تطع نفسك وهواك فتكون لهما رقا ، انتهى . ومن كرمه تعالى : أن سبقت رحمته غضبه ، ومن كرمه أيضا إقباله على العاصي والمطيع ، ففي الحديث الصحيح : « لما خلق اللّه الخلق قال للقلم : اكتب ، قال : وما أكتب ؟ قال : اكتب رحمتي سبقت غضبي ، فكتبه وألقى الكتاب فوق العرش « 1 » » . زاد بعضهم : « فإذا كان يوم القيامة رأى الناس ذلك الكتاب فيقرؤه كل من سبقت له السعادة ، ويحجب عن أهل الشقاوة » . وفي الحديث أيضا قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إن اللّه تعالى خلق مائة رحمة أنزل منها واحدة إلى الأرض ، وأمسك عنده تسعة وتسعين ، فمن تلك الرحمة الواحدة التي أهبطت إلى الأرض تراحمت الخلائق بينهم ، حتى إن الدابة لترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه ، فإذا كان يوم القيامة ضم تلك الرحمة إلى التسع والتسعين ، ونشرها بين عباده ، فتسع الخلق كافة ويحرم منها من هو كافر » . وهو معنى قوله تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [ الأعراف : 156 ] الآية ، انتهى بالمعنى . ويروى : « أن رجلا اصطاد أفراخا ، فلما أخذهم جعلت أمهم تطير فوقهم ، ثم سقطت عليهم فضمها مع أولادها ، فأتى بها النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فأخبره خبرها ، فقال عليه السلام :

--> ( 1 ) رواه أبو الشيخ في العظمة ( 2 / 622 ) ، ومحمد بن أبي شيبة في العرش ( 6 ) .