أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

512

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

والاجتباء ، أنت تجالسه بمراقبته ، وهو يجالسك بحفظه ورعايته ، أنت تجالسه بذكره وهو يجالسك ببره : ( أنا جليس من ذكرني . . ) كما في الحديث . وأما المحادثة : فهي المكالمة القلبية وهي الفكرة والجولان في عظمة الجبروت ، فأنت تحادثه في سرك بمناجاته وسؤاله ، وهو يحادثك بمزيد إحسانه ونواله ، أنت تحادثه بدوام حضوره في سرك ولبك ، وهو يحادثك بإلقاء العلوم والأسرار الحكم في قلبك ، أنت تحادثه في عالم الشهادة ، وهو يحادثك في عالم الغيب . وفي التحقيق ما ثم إلا عالم الغيب ظهر في عالم الشهادة ، وفي هذا المعنى قال الجنيد : لي أربعون سنة وأنا نحدث الحق والناس يرون أني نحدث الخلق . وقالت رابعة العدوية رضي اللّه عنها : ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي * وأبحت حسمي من أراد جلوسي فالجسم مني للجليس مؤانس * وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي وأما المشاهدة : فهي كشف حجاب الحس عن نور القدس . أو تقول : كشف رداء الصون عن الكون ، فأنت تشاهد ذاته في عالم ملكوته ، وهو يشاهدك في عالم ملكه . أنت تشاهد ربوبيته ، وهو يشاهد عبوديتك . والحاصل : أن المشاهدة من العبد هي شهود العظمة بالعظمة كما قال شيخنا رضي اللّه تعالى عنه : ومشاهدة الرب للعبد هي إحاطة علمه بأحواله وأسراره . وأما المطالعة : فهي مطالعة أسرار الملك والملكوت والجبروت وأسرار القدر ، فأنت تطالعه بالتوجه إليه ، وهو يطالعك بالترقي إليه ، أنت تطالع مواقع قضائه وقدره فتتلقاها بالقبول والرضا ، وهو يطالع أحوالك وسرائرك ، فيكشف عنك الحجب ، ويوسع عليك الفضاء ، أنت تطالعه بالتقرب والإقبال ، وهو يطالعك بالمحبة والوصال فيتلقاك بالإقبال والوصال ، وهذه الأسرار لا يذوقها إلا أهل الأذواق ، فكل واحد يذوق منها على قدر شربه ووجده واللّه تعالى أعلم . فإن سكنت الروح في هذه المراتب صارت الحضرة مأواها ومثواها ، كما بين ذلك بقوله : 280 - فصارت الحضرة مغششّ قلوبهم ، إليها يأوون ، وفيها يسكنون . قلت : عش الطير وكره الذي يأوي إليه ، فكأن أوراح العارفين طيور الحضرة تطير في الملكوت