أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

513

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

وتسرح في الجبروت ، ثم تأوى إلى عش العبودية في الظاهر وعش الشهود في الباطن ، فالحضرة التي هي معشش قلوب العارفين ، هي حضرة الذات إليها يأوون : أي يرجعون بعد الطيران إلى فضاء الملكوت وأسرار الجبروت ، وفيها يسكنون لا يخرجون منها أبدا ، كما قال تعالى : لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ [ الحجر : 48 ] ومحلها في أعلى عليين ، وهو عرش قلوب العارفين . 281 - فإن نزلوا إلى سماء الحقوق أو أرض الحظوظ فبالإذن والتمكين والرسوخ في اليقين . قال الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه : التوحيد عرش ، والشريعة المطهرة كرسي ذلك العرش والحقوق المفصلة فيها سماؤها ، والحظوظ النفسانية أرضها ، فكل حقيقة لا تصحبها شريعة لا عبرة بصاحبها ، وكل شريعة لا تعضدها حقيقة لا كمال لها ، انتهى . قلت : النزول هنا مجاز كأن الحرية عرش ، والعبودية سماء أو أرض ، أو تقول : الحقيقة عرش والشريعة أرض ، فما دامت الروح في بحر الوحدة كأنها في عرش الرحمن ، فإن نزلت إلى العبودية كأنها نزلت إلى السماء أو الأرض ، وظاهر كلام الشيخ ومن تبعه من الشراح أن النزول إلى سماء الحقوق أو أرض الحظوظ خروج عن الحضرة وليس كذلك ، إذ من كان عمله باللّه وتصرفاته كلها باللّه لا خروج له عن الحضرة ، وإنما النزول في حقه بالقالب فقط دون القلب ، فالقلب لا يخرج من عشه أبدا بعد أن تمكن منه ، فكل من بلغ أن يكون علمه باللّه ومن اللّه وإلى اللّه لا يكون تنزله للشريعة خروجا عن الحضرة لا سيما الصلاة التي هي معدن المصافاة ، فبها تتسع ميادين الأسرار ، وتشرق فيها شوارق الأنوار ، اللهم إلا أن يحمل النزول في كلامه على أنه بالقالب دون القلب ، كما تقدم ويدل على هذا قوله فيما يأتي ، بل دخلوا في ذلك باللّه إلخ . قال الشعراني في بعض أجوبته : سألت شيخنا سيدي عليّا الخواص : أي الحالتين أفضل للعبد في حال الصلاة ؟ هل يكون يعبد اللّه كأنه يراه ؟ أو كأن اللّه يراه ؟ قال : فأجابني بأن يكون العبد يعبد اللّه كأن اللّه يراه أفضل من كونه كأنه يراه ، ثم أطال الكلام في توجيه ذلك . قلت : وقد كنت اعترضت هذا الكلام وكتبت عليه ، ما مضمنه : إن العارفين اتفقوا أن العمل