أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
511
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
ماتت ، وكالناس لأن الدنيا جيفة والناس كلابها ، فلما تركت لهم جيفتهم سلمت منهم فدام سيرها إلى أن وصلت إلى أصل وطنها ، وهي الحضرة كما بينه بقوله : 278 - إلى أن أناخت بحضرة القدس وبساط الأنس . قلت : الإناخة هي النزول ، وحط الحمول ، ولما وصلت الروح إلى مشاهدة الأحباب وفتح لها الباب أزالت ما كان عليها من الأثقال ، وجلست على بساط النزاهة والكمال ، وهي حضرة القدس أي : التنزيه التي هي دائرة الولاية المقتضية للعبد تحققه بتقديس مولاه عن كل وصف لا يليق بذاته حتى عرف أنه أجل من أن يعرف ، وأعظم من أن يوصف ، فيقول : لا أحصى ثناء عليك فيغرق في التعظيم ، ويتمكن في التقديس ، فينعكس عليه تقديسه بحيث يحفظه مولاه ، فلا يعصيه بل يكون مقدسا بتقديس الحق إياه ، إذ قدس مولاه فقدسه مولاه كل على ما يليق بوصفه ، ومن هذا التقديس ينسى كل شيء بمولاه ، فيأنس به دون ما سواه في عين إجلاله والهيبة منه تعظيما لا فرقا أو تذللا في عين الإذلال ، فافهم قاله الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه ، وبساط الأنس : هو محل الفرح بقرب الحبيب ، ومناجاة القريب ليغيب عن كل شيء ، ويتأنس به في كل شيء . ثم بين أسرار الحضرة وهي ست فقال : 279 - في محلّ المفاتحة ، والمواجهة ، والمجالسة ، والمحادثة ، والمشاهدة ، والمطالعة . قلت : أما المفاتحة : فهي مفاتحة علم الغيوب ، فأنت تفاتحه بطلب العطاء ، وهو يفاتحك بكشف الغطاء ، أنت تفاتحه بطلب الزيادة ، وهو يفاتحك بتوالي الإفادة ، أنت تفاتحه بالترقي في المقامات ، وهو يفاتحك بأسرار العلوم والمكاشفات . وأما المواجهة : فهي مواجهة أنوار الملكوت وأسرار الجبروت ، فأنت تواجهه بأنوار التوجه ، وهو يواجهك بأنوار المواجهة ، وهي كشف الحجاب ، وفتح الباب . أنت تواجهه بالطاعة ، وهو يواجهك بالمحبة ، وأنت تواجهه بالإقبال ، وهو يواجهك بالوصال ، أنت تواجهه باستكشاف أنوار الملكوت ، وهو يواجهك بكشف أسرار الجبروت . وأما المجالسة : فهي مجالسة الأدب والهيبة ، فأنت تجالسه بالأدب والحياء ، وهو يجالسك بالتقريب