أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

510

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

274 - فلم يتّخذها وطنا ، ولا جعلها سكنا . قلت : لأن من توطن الشيء فقد قام فيه ، والسائر لا مقام له إلا عند مولاه ، وكان سيدنا عيسى عليه السلام يقول في شأن الدنيا : أعبروها ، ولا تعمروها ، وقال عليه السلام : « مالي وللدنيا ، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب سافر في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ثم راح عنها وتركها » ، فليست الدنيا دار إقامة ولا سكنا ، وإنما هي قنطرة من هنا إلى هنا ، فالعارف لا يكون مع غير اللّه قراره لأن همته كلها عند اللّه ، كما قال : 275 - بل أنهض الهمّة فيها إلى اللّه ، وصار فيها مستعينا به في القدوم عليه . قلت : النهوض هو القيام كأن السائر إلى اللّه أنهض همته وأقامها من هذا العالم ، يريد بها دخول عالم الملكوت ، وإنهاض الهمة يكون بامتثال أمره والاستسلام لقهره ، والاستعانة به على سفره ، وهو معني قوله : وسار فيها مستعينا به في القدوم عليه ، والقدوم على اللّه هو الوصول إلى معرفته ، وتحقيق العلم به ، ولا يصح ذلك إلا بالتبري من الحول والقوة ، ومن ظن أن اجتهاده يوصله لمرغوبه فقد جهل ، ومن صح اعتماده على اللّه وصل ، ثم بين السر فقال : 276 - فما زالت مطيّة عزمه لا يقرّ قرارها . قلت : المطية في اللغة هي المركوب ، واستعيرت هنا للعزم القوي أي : فما زال عزمه قويّا ، وروحه شائقة لا يقر قرارها أي : لا يسكن قرارها في موطن دون سيدها لأن الشوق أقلقها ، وخوف فوات اللحوق أزعجها ، فهي في السير على الدوام ، كما قال : 277 - دائما تسيارها . قلت : إنما دام سيرها لقلة عوائقها لأنها لما أعرضت عن الدنيا مولية عنها . قلت : عوائقها لأن الدنيا شبكة العوائق ، وأصل العلائق ، وكل من قطع عروقها من قلبه ذهبت عنه العلائق كالشيطان الذي هو أبوها ، فلما طلق له بنته تركه ، وكالنفس لأن قوامها الدنيا ، فلما ذهبت