أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

509

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

بِغَيْرِ حِسابٍ ، وقال فيه أيضا : نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ ص : 30 ] ، وقال تعالى لمن نزعها منه بحذافيرها سيدنا أيوب عليه السلام : وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً [ ص : 43 ] ، ثم قال : إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ ص : 44 ] . لكن من علامة حب الآخرة ترك الدنيا ، وعلامة تركها ألا يفرح بالموجود منها ولا يتأسف على ما فاته منها ، ولا يمكن ذلك إلا بترك الانتصار للنفس ومخالفتها ، وأنشدوا : يا نفس في التقريب كل مذلة * فتجرعي ذلّ الهوى بهوان وإذا حللت بدار قوم دارهم * فلهم عليك تعزز الأوطان وسئل الشيخ أبو محمد عبد القادر الجيلاني رضي اللّه تعالى عنه عن الدنيا ؟ فقال : أخرجها من قلبك واجعلها في يدك ، فإنها لا تضرك . وقال الحضرمي رضي اللّه تعالى عنه : ليس الرجل الذي يعرف كيفية تفريق الدنيا فيفرقها ، إنما الرجل الذي يعرف كيفية إمساكها فيمسكها . قال الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه : لأنها كالحية ، وليس الشأن في قتل الحية ، إنما الشأن في إمساكها حية انتهى . وقد يقصد بترك الدنيا ما هو أعظم من الدنيا كحب الجاه والرياسة وغير ذلك من الحظوظ ، ولذلك قيل : من أراد أن يكون منه شيء فلا يأتي منه شيء ، لأنه عبد لإرادته وعامل لحظ نفسه ، فإذا انقطعت عنه الحظوظ النفسية والشهوات الدنيوية صح قصده إلى اللّه ، وانفرد قلبه بالتوجه لمولاه . قلت : ولأبي الأنوار التطواني قصيدة في هذا المعنى قال في بعضها : ومن كان قصده في نيل ما * يريد فما قام بالحجة وأصل طريقنا وارفض العلل * مع الصبر وارفع للهمة وحسب المحب مشاهدة * يقينا لم يبدو من حضرة وفهمك عنه جدير بأن * يعوضك المنع بالمنحة وأبو الأنوار هذا تلميذ أبي المحاسن سيدي يوسف الفاسي ، وقبره بتطوان بالمصلى القديمة لناحية القصبة ، نفعنا اللّه بذكره . ثم إن من أعرض عن الدنيا لا وطن له فيها ، وإنما وطنه عند مولاه ، كما بين ذلك بقوله :