أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
508
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
وببابك أناخ التائبون انتهى ، اللهم إنا قد وقفنا ببابك فلا تطردنا ، ونحن انتسبنا لجنابك فلا تحرمنا يا أرحم الراحمين . ثم من فرح بالباقي وأعرض عن الفاني تشرق عليه الأنوار ، وتلوح له الأسرار ، كما أبان ذلك بقوله : 272 - قد أشرق نوره وظهرت تباشيره . قلت : قد أشرق نوره بحلاوة الزهد في الدنيا والإقبال على المولى ، لأن حب الدنيا ظلمة ، فإذا خرج من القلب دخله النور ، وهو حلاوة الزهد ، وراحة القناعة ، وبرد الرضا ، ونسيم التسليم ، وظهرت تباشيره : أي مبشرات تبشره بالإقبال ، وروح الوصال ، وجنة المعارف والجمال ، وأنشدوا : إذا هبت علينا من حماكم * نسيمات تذكّرنا الوصالا مبشرة بإقبال وسعد * وعزّ دائم دهرا طويلا مبلغة شذا تلك المعاني * مذكّرة رباها والطلولا فذلك خير وقت بالمعنّى * وأحسن ما تعاطى السلسبيلا فحين أشرق نوره وظهرت تباشيره أعرض عن الدنيا بالكلية ، كما أبان ذلك بقوله : 273 - فصدف عن هذه الدار مغضيا ، وأعرض عنها مولّيا . قلت : الصدوف هو الإعراض والتولي : أي فأعرض هذا السائر إلى اللّه عن الدنيا بحذافيرها مغضيا بصره : أي مغمضا عيني بصيرته عن النظر إلى زهرة هذه الدار وبهجتها ممتثلا في ذلك قول المولى لرسوله المصطفى : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ [ طه : 131 ] أي : أصنافا من الكفار . زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ [ طه : 131 ] ، وأعرض عن هذا قلبا وقالبا ، موليا ظهره عنها ، مقبلا بوجهه إلى المولى . قال الشطيبي : واعلم أن الإعراض عن الدنيا إنما هو بالقلب ، ومتى كان القلب معلقا بها لم ينفع زوالها من اليد ولا قطع أسبابها ، بل المطلوب زوالها من القلب سواء كانت في اليد أو لم تكن ، قال تعالى لمن أعطاه ملك الأرض بحذافيرها سليمان عليه السلام : هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ