أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

507

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

أين الملوك وأبناء الملوك ومن * كانوا إذا الناس قاموا هيبة جلسوا كأنهم قطّ ما كانوا ولا خلقوا * ومات ذكرهم بين الوري ونسوا حطوا الملابس لما ألبسوا حللا * من التراب على أجسادهم وكسوا قال مالك بن دينار : مررت بمقبرة فوجدت بهلول المجنون قاعدا بين القبور وهو عريان إلا ما يستر العورة ، فأتيت نحوه لأستفيد من طرائفه ، فوجدته تارة ينظر إلى السماء فيستهل ، وتارة ينظر إلى الأرض فيعتبر ، وتارة ينظر عن يمينه فيضحك ، وتارة ينظر عن شماله فيبكي ، فسلمت عليه فرد علي السلام ، فسألته عما رأيت من حاله ؟ فقال : يا مالك أرفع رأسي إلى السماء فأذكر قوله تعالى : وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ [ الذريات : 22 ] فأستهل ، وأنظر إلى الأرض فأذكر قوله تعالى : مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى [ طه : 55 ] فأعتبر ، وأنظر عن يميني فأذكر قوله تعالى : وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ [ الواقعة : 27 ] ، فأضحك ، وأنظر عن شمالي فأذكر قوله تعالى : وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ [ الواقعة : 41 ] فأبكى . فقلت : يا بهلول إنك لحكيم ، أتأذن لي أن أشتري لك قميصا قطنا ؟ قال : افعل ، فسارعت للسوق وأتيته بقميص قطن ، فنظر إليه وقلبه يمينا وشمالا ورمى به إليّ وقال : ليس مثل هذا أريد . قلت : وكيف تريده ؟ قال : أريد قميصا من الإخلاص محفوظا من الدنس والانتقاص ، غرس قطنه بالحقائق ، وحرس من جميع البوائق ، سقاه جبريل بماء السلسبيل فأينع حسنا وأثمر قطنا ، فلقطته أيدي الكرام البررة ، التالين سورة الحمد والبقرة ، ثم حلجته أكف الوفاء بعز وصفاء من غير جفاء ، ثم نحلته الأوتار المتصلة بالأنوار ، وغزلته مغازل الحمد والثناء بالمحبة والاعتناء ، جعلت الجنة لناسجه ثوابا ، وكان هو للابسه من النار حجابا ، فهل تقدر يا مالك على مثل هذا ؟ فقلت : إنما يقدر عليه من خصك بوصفه ، وألهمك لمعاينته وكشفه ، ثم قلت : يا بهلول صف لي لألبس هذا القميص ، فقال : نعم إنما يلبسه من خصه اللّه بأنواره ، وكتبه في ديوان أبراره ، وأحياه بالسابقة ، وقواه بالعزيمة الصادقة ، فجسمه بين الخلق يسعى ، وقلبه في الملكوت يرعى ، فلا يتكلم بغير ذكر اللّه لفظة ، ولا ينظر لغير اللّه لحظة ، ثم صاح صحية عظيمة وقام وهو يقول : إليك فر الهاربون ، ونحوك قصد الطالبون ،