أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
499
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
ألف شهر ، وقد قال بعض العلماء : كل ليلة للعارف بمنزلة ليلة القدر انتهى منه ، فالبركة في العمر هي إدراك الأمداد العظيمة في الآماد القليلة كما تقدم ، وكما بينه بقوله : 260 - من بورك له في عمره أدرك في يسير من الزمان من منن اللّه تعالى ما لا يدخل تحت دوائر العبارة ، ولا تلحقه الإشارة . قلت : ليست البركة في العمر بكثرة أيامه وطول أزمانه ، وإنما البركة في العمر أن تصحبه العناية ، وتهب عليه ريح الهداية ، فيدرك في يسير من الزمان من منن اللّه تعالى : أي من علومه ومعارفه وأسراره ما لا بدخل تحت دوائر العبارة ، لأن ما أدركه أوسع من ضيق العبارة ، إذ قال تعالى : « أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر « 1 » » ، فقد يدرك العارف من دقائق الأسرار ما تعجز عنه عبارة اللسان ، كل ذلك في أقل زمان ، وغالب هذا يحصل من ملاقاة الرجال وصحبتهم ، فإن المدد الذي يحصل للإنسان في ساعة واحدة معهم لا يحصل في أزمنة طويلة مع غيرهم ، ولو كثرت صلاتهم وصيامهم ، إذ ليس العبرة بكثرة الأوراد ، إنما العبرة بكثرة الأمداد : « إن اللّه لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم « 2 » » ذكره في الجامع . والذرة من أعمال القلوب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح ، والعمل مع المعرفة ليس كالعمل مع الجهل ، وذلك معلوم . قال الشيخ الحضرمي في بعض وصاياه : من كان يستمد من محبرة الجمع فهو يكتب ما يكون ، وما لا يكون طويل طويل طويل ، قصير قصير قصير ، شيء شيء شيء ، ما شيء ما شيء ما شيء ، عدم عدم عدم ، وجود وجود وجود انتهى . فالمعنى : طويل طويل ، والحس : قصير قصير ، والموجود القديم : شيء ثابت وما سواه ليس بشيء ، والسوى عدم ، والواحد القهار : وجود ، فالذي يكتب من محبرة الجمع : أي يستمد من حضرة الجمع يكتب الأشياء كلها ، ويستمد من الأشياء كلها لمعرفته في الأشياء كلها ، كانت قصيرة أو طويلة ، وجودية أو عدمية ،
--> ( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) رواه مسلم ( 4 / 1986 ) .