أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
500
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
وباللّه التوفيق . وسبب البركة في العمر هو التفرغ من الشواغل والشواغب ، فمن كثرت شواغله وشواغبه لا بركة له في عمره ، لأنه منع من تصريفه في طاعة مولاه بمتابعة شهواته وتحصيل مناه ، ومن تفرغ من الشواغل ولم يقبل على مولاه فهو مخذول مصروف عن طريق استقامته وهداه ، كما أبان ذلك بقوله : 261 - الخذلان كلّ الخذلان أن تتفرّغ من الشواغل ثمّ لا تتوجّه إليه ، وتقلّ عوائقك ثمّ لا ترحل إليه . قلت : إذا قلّت شواغلك في الظاهر وعوائقك في الباطن ثم لم تتوجه إليه في ظاهرك ولم ترحل إليه في باطنك فهو علامة غاية الخذلان الكبير ، لأن جل الناس ما حبسهم عن التوجه إلى اللّه إلا كثرة أشغالهم الحسية ، فاشتغلت جوارحهم بخدمة الدنيا في الليالي والأيام والشهور والأعوام ، حتى انقرض العمر كله في البطالة والتقصير ، فهذا هو الخذلان الكبير ، ومن الناس من قلّت شواغلهم الظاهرة لوجود من قام لهم بها ، لكن كثرت علائقهم في الباطن ، لكثرة ما تعلق بهم من الشواغب ، فهم مغرقون في التدبير والاختيار ، والاهتمام بأمور من تعلق بهم من الأنام لا سيما من كان له جاه ورياسة وخطة أو سياسة ، فهذا باعتبار العادة بعيد من الإقبال على مولاه إلا إن سبقت له سابقة عناية فتجره إلى رحمة ربه ورضاه . والحاصل : أن الخير كله في التخفيف من الشواغل والعلائق ، فمن تفرغ منهما فهو قريب من الحضرة ، وأما من كثرت شواغله وعوائقه فأمره بعيد ، لأن فكرته مشغولة بالعلائق والمخاطف ، فمهما همّ بالسير جذبته المخاطف إليها ، وبقي مرهونا معها ، وهو الذي أشار إليه بقوله : 262 - الفكرة : سير القلب في ميادين الأغيار . فمن لا تفرغ له لا فكرة له ، ومن لا فكرة له لا سير له ، ومن لا سير له لا وصول له ، فالفكرة هي سير القلب إلى حضرة الرب ، وذلك السير في ميادين الأغيار : أي في مجال شهود الأغيار ، ليستدل بها على وجود الأنوار ، فهذه فكرة أهل الحجاب ، وفكرة أهل الشهود سير الروح في ميادين الأنوار ، أو سير السر في ميادين الأسرار ، فتكلم الشيخ على بداية الفكرة ولم يتكلم على