أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
492
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
وهو بعيد منها ، ومن كان واقفا مع أنوار الملكوت لا يعلم قدر أنوار الجبروت ، ومن نفذ منهما شهد الجميع ، وكما لا تظهر الأنوار الغيبية إلا في غيب الملكوت أو الجبروت ، كذلك لا تظهر أنوار الملك وهي الأنوار الحسية إلا في عالم الشهادة وهو عالم الحس ، ويسمى عالم الملك . والحاصل : أن أنوار القلوب هي أنوار الملكوت ، وأنوار الأسرار هي أنوار الجبروت وهي غيبية لا يعلم قدرها إلا من ترقى إلى عالم الملكوت أو الجبروت ، فحينئذ يدركها ويعلم قدرها علما وحالا ، واللّه تعالى أعلم . تنبيه : قد رأيت كثيرا ممن شرح هذا الكتاب غلط في تفسير الملك والملكوت والجبروت ، فزعموا أن الملك هو عالم الدنيا ، والملكوت هو عالم الآخرة ، والجبروت ما لا يعلمه أحد وهذا غلط ، إذ لو كان كما زعموا ما صح الترقي من ملك إلى ملكوت وإلى جبروت ، إذ يلزم على تفسيرهم أن الملك لا يرجع ملكوتا والملكوت لا يصير جبروتا وهو غير سديد ، إذ قد نص كثير من المحققين أن أهل الملكوت لا يرون الملك أصلا ، وأهل الجبروت يحجبون عن الملكوت ، هكذا ذكره النقشبندي في شرح الهائية . والصواب أن المحل واحد وهو الوجود الأصلي والفرعي ، فما لم يدخل عالم التكوين من عظمة الباري تعالى فهو عالم الجبروت ، وما دخل التكوين فمن ألحقه بأصله وجمع فيه فهو في حقه ملكوت ، ومن فرقه وحجب به فهو في حقه ملك ، فتحصل أن المحل واحد والأمر إنما هو اعتباري تختلف التسمية باختلاف النظرة ، وتختلف النظرة باختلاف الترقي في المعرفة ، فمن وقف مع الكون كان في حقه ملكا ، ومن نفذ إلى شهود النور الفائض من الجبروت إلا أنه رآه كثيفا نورانيّا ولم يضمه إلى أصله في اللطافة سمي في حقه ملكوتا ، ومن ضمه إلى أصله ولم يفرق بين النور الكثيف سمي جبروتا ، وقد حققت ذلك في قصيدتي التائية وتقدم بعضها ، وكذلك في شرح التصلية المشيشية ، واللّه تعالى أعلم . ولا بد لمن أراد أن تكشف له هذه الأنوار ويدرك هذه المقامات من وجود أعمال ومقاساة أحوال ، فإذا عمل عملا وذاق حلاوة فليستبشر بالفتح الذي هو جزاء السائرين ، وهو الذي أشار إليه بقوله :